بنفسج

"وإلا فاترك المدرسة"... عن أبي الذي علمنا

الثلاثاء 27 سبتمبر

كان عمري ست سنوات تقريبًا عندما حدث أمامي موقف بين والدي وأخي الأكبر، كان أخي يشكو من ضيق وقته لأنه أصبح طالبًا في المرحلة الإعدادية، ولديه مواد كثيرة، ولم يعد باستطاعته التوفيق بين المذاكرة ومراجعة حفظه مع القرآن- كان والدي يحضر لنا محفظًا للقرآن بشكل يومي حتى بعد أن نختمه حفظًا، في حين كنا لا نأخذ دروسًا في المواد الدراسية إلا عند الضرورة-.

قال والدي بعد نقاش، لا أذكر أيًا من تفاصيله، لكن أذكر أو أعرف رده النهائي، فيما معناه، إن كنت لن تستطيع التوفيق فعلًا بينهما، ويلزم أن تفرغ وقت أحدهما للآخر، فاترك المدرسة! كان أخي طالبًا متفوقًا يحصد أعلى الدرجات- التحق بكلية الطب بعدها بسنوات-، وغالباً تلقى صدمة بهذا الرد، فلم يكرر طلبه، وظل يراجع بانتظام، ولم يتمرد على حضور الشيخ بعدها وإنجاز المطلوب منه حتى بعد أن أصبح مراهقًا، وإتمامه المرحلة الثانوية.

يبدو أني خزنت هذا الرد بداخلي، ولم أجادل مرة واحدة في هذا الموضوع حتى بعد وفاة أبي، ورغم أني كنت أُوصف بالمتمردة، وأنا صغيرة عادة إلا أني لم أمارس تمردًا يذكر في هذا الأمر، فأتممت حفظ القرآن، وظللت أراجع بشكل يومي تقريبًا مع محفظ حتى نهاية المرحلة الثانوية أيضًا. كنت أشعر أن هذا الأمر قد حُسم في هذا البيت. لو شكوت، سيقولون لي أن أترك الدراسة وأنا أحب المدرسة، لا بأس ببعض المجهود الإضافي إذًا، أعرف أني أستطيع ببعض إدارة الوقت أن أتمم هذا الأمر، ومعه نجاحي في الدراسة، والكثير من اللعب أيضًا.

| زرع أبي الذي بقى

أب.jpg

كبرت هذه الطفلة، وأنهت الجامعة، وتزوجت، وأنجبت، ثم تسنى لها الدراسة في مجال لطالما أحببته. دخلت مجال التربية والتدريس، وظلت مواقف ترد على ذاكرتها كلما تعلمت شيئًا له أصول ونظريات، وكيف تثبت شيئًا في عقل الطفل، وكيف تطفئ عنده استجابات غير محببة. وظل هذا الموقف يأتي أمام عيني أكثر من أي موقف آخر. هكذا إذًا، زرع أبي هذه القيمة في البيت، فاستمرت بعد وفاته، أن القرآن أولًا وأهم من كل شيء.

لم يتح لي قضاء الكثير من الوقت معه لأسأله لماذا القرآن بالذات؟ ولماذا لم تصرف هذه العناية، وهذا الوقت وهذا المال لنشاط آخر، لكن ظلت عالقة في ذهني بصورة بدائية، وكنت كلما كبرت وقرأت وتعلمت أكثر عن القرآن، أعرف وأقتنع بفكري ومشاعري لماذا القرآن قبل كل شيء، وكيف أنه الكلام الوحيد الذي بين أيدينا للإله الذي نعبده، ومنه سنعرف لماذا جئنا هنا وكيف ستنجح رحلتنا.

كان موقفًا واحدًا أبلغ من مئة نصيحة، وحتمًا ظلت آثاره لربع قرن من الزمان علينا وعلى أحفاد صاحب هذا الموقف، فنحن نحاول أن نكرر هذا معهم، لكن من يأتينا بصدقه ونيته؟ نسأل الله أن يبلغنا إياها، وأن يتقبل منه حرصه وسعيه في ربطنا بكتابه. كان هذا اختيار الوالد، وكلنا يمكنه اختيار القيمة التي يزرعها كما يشاء، لكن أحببت أن أذكر نفسي وأذكركم أنه لا معنى لأن أقول لطفلي، أنا أذهب بك لتدريب السباحة لأن الرياضة مهمة، وأنا جسمي متثاقل بالدهون والأمراض من قلة ممارسة الرياضة. هذا الطفل، فور أن يخرج عن سيطرتي ويكبر قليلًا، سيترك الرياضة كلها غالبًا لأن من كان حريصًا على ذهابه التمرينات، ويبذل فيها كل هذا الجهد لا ينفع نفسه بهذا الذي يأمرني به.

أبحث إذًا عن السبب الحقيقي؛ هل أنا حريصة على هذا الأمر لأن كل الأمهات الجيدات يفعلن ذلك؟ أم لأن هذا لا يشعرني بالتقصير كأم ربما؟ أم لأتباهى به أمام فلانة وعلانة أو أي سبب آخر، لأكون صادقة إذا وأواجه نفسي فأنفعها، وأكون أبلغ أثرًا في أفكار أبنائي. حتى في نفس الأمر فكر في أثر أن تستكثر بضع جنيهات على معلم للقرآن لولدك، في حين تدفع مئات لحصة "ساينس" أو كورس للغة، ثم أخبره بعدها كم أن القرآن مهم وغال وثمين.

الآن أدرك كم مرة قلت فيها لابنتي، افعلي كذا وكذا وكأني لا أقول شيئًا. أنجح في أمر وأفشل في عشرات، أدرك أن قيامي بسرعة للوضوء فور سماعي للأذان، أبلغ من كل المرات التي قلت لها فيها قومي للصلاة فهي أهم من كل شيء وأنا أنشغل عنها في بعض الأوقات، أو أهتم بشيء أنجزه في المنزل أو العمل ثم أصلي بعدها. هل يستوي نصحك لأولادك بصلة رحمهم بقيامك مبكرًا يوم أجازتك لزيارة جدتهم أو خالهم، وتقديم أمور الأهل في بعض الأوقات على أمورك الشخصية أمامهم؟

وهل يستوي أن تعلمهم قيمة الوقت بالكلام، وأنت تضيع مئات الساعات أمام الشاشات فيما لا يفيدك ولا يفيدهم؟ وهل يكون هذا المال الذي اقتطعته من راتبك المحدود، وأنت في احتياج إليه لقريب تعلم أنه يحتاجه مثلك، وتؤخر حاجة نفسك، بأن تقول لهم بضع كلمات عن قيمة الصدقة وكونها سببًا لدخول الجنة؟ وهل تكون نصائحك عن مراقبة الله في أمورك سائغة لهم، وأنت لا تذهب إلى العمل مبكراً إلا إذا أخبروك أن المدير سيمر باكراً أو أن هناك "تفتيشًا"؟

هكذا تبنى القيم، بالأفعال لا بالكلام الأجوف، وهكذا تثمر نبتتك، بتوفيق الله ثم بريها وتغذيتها المستمرة بالمواقف. ربنا يجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.