بنفسج

صباح الخير يا بلادي.. شلش تغني فلسطين

الإثنين 05 ابريل

عندما بدأ أبي بتدريبي على ما يكتبه من أناشيد، كنت وقتها في السابعة من عمري، مجرد طفلة، لم تكن الأمور مفهومة بشكل واضح في عقلي؛ وطن مسلوب، واحتلال، وشهداء، وغير ذلك. كان همي أن ألعب، وأذهب للملاهي مع أقاربي، كأي طفل بهذا العمر، لكن مع الوقت، توضح كل شيء، ونضجت قبل أواني بصورة سريعة، لأدرك معنى الوطن، وأن الوطن كالشرف؛ لا يُباع ولا يُشترى، وأن ما أقدمه هو أيضًا مقاومة، لكن بطريقة مختلفة".

هكذا وصفت الفنانة ميس شلش البدايات الفنية الأولى الخاصة بها، والتي باتت اليوم تعبر عن جيل كامل تربى على صوت ميس، "صوت الحرية"، كما لقبه أبوها، الشاعر الراحل سعود مصطفى.

| طفولة ناضجة

i13.png

ولدت ميس شلش في الكويت، وترعرت هناك طفلة مدللة، بصفتها الفتاة الوحيدة بين أخوتها الشباب، ولربما لم تبصر الوطن منذ نعومة أظافرها، ولكن البيئة التي نشأت فيها جعلتها تبصر فلسطين بقلبها، حيث إنها ومنذ أن بدأت تعي ما يدور حولها، كان حديث والديها الدائم عن فلسطين، وبكاءهم الدائم، شوقًا لها. ليس الحنين والشوق والدموع أو شاشة التلفاز الذي تعرض فلسطين، وما يدور بها من أحداث بشكل مستمر، إنما الحب المدعوم بالثقافة والنضوج الفكري.

 تقول ميس: " كان هذا أهم سبب لصقل شخصيتي أنا وأخوتي هي البيئة التي نشأنا فيها، والأسرة (الأب والأم) اللذان يتمتعان بثقافة وطنية وسياسية عالية، حيث كنا نخوض معهم حوارات وطنية وسياسية، ونحن لم نتجاوز التاسعة من العمر، وأضافت: "كان والدي يوكل لنا مهمات يومية لرفع الوعي لدينا، ولتفتيح مداركنا الفكرية حول فلسطين، ففي بعض الأحيان كان يوكل لي مهمة فتح التلفاز عندما أعود من المدرسة، وأقوم بإحصاء أعداد الشهداء، وان استطعت ذكر أسمائهم، وشرح ما رأيته لوالدي عند عودته من العمل".

يوميًا، نرى الشهداء يهبون أرواحهم لفلسطين، وكم لبث في سجون الاحتلال من أسرى منذ سنوات، وحتى اللحظة، لا يزالون يهبون أعمارهم، وشبابهم لفلسطين، لكن الحال مع ميس كان مختلف، فميس وهبت صوتها لفلسطين، حيث قالت: "كنت أحيانًا أقول لأهلي، ما الذي ستقدمه أغانيّ لفلسطين، هل ستتحرر؟ ليكون ردهم: صوتك هو سلاح مقاوم كالسلاح الحقيقي تمامًا، كل شخص منا يقاوم بأشكال مختلفة، غسان كنفاني مثلًا، وهو لم يكن رجل حرب ميداني، بل كان سياسيًا، رجل أدب وفن وصحافة، تم اغتياله لأنه كان يقاوم بالقلم.

| مقاومة بالصوت

i6.png
الفنانة الفلسطينية ميس شلش في طفولتها وفي أحد الحفلات

وفعلًا، كان الوقت كفيلًا بالنسبة لي لإثبات أن الصوت والكلمات والألحان سلاح قوي في وجه الاحتلال الغاشم، وفي وجه الظلم مهما كانت أشكاله، هو سلاح له أثر عميق على المجتمع إذا وجهناه بالشكل الصحيح، المقاومة لا تقتصر على السلاح، كل شخص منا يقاوم من مكانه وبما يملك. كانت تكفيني رسائل الأسرى من داخل سجون الاحتلال التي تصلني إلى الأردن، لأعلم حينها مدى تأثير ما قدمته من خلال صوتي وكلماتي، ناهيك عن رسائل أهالي الشهداء التي كانت كافية بالنسبة لي لأعلم حينها أنني لامست الألم الفلسطيني، وأنني بصوتي استطعت شرح معاناة شعب بأكمله، صوتي وكلماتي التي تربى عليها جيل كامل، ومازال يفخر ويتغنى بها ويعتبرها سلاحًا لشحذ الهمم وللاستمرار، ولإحياء الانتماء في القلوب مهما ابتعدنا".

i16.png

وفي ذات السياق تقول: "لم يكن هناك اهتمام من طرفي أو طرف أهلي بالفن عامة، برغم العروض والمغريات التي قُدمت لي، فالشخص الذي تربى على مبادئ وأهداف واضحة، لأجل وطنه وقضيته، سيظل ثابتًا، في طريق واضح المعالم". وعن تفاصيل الداعم الأساسي لميس في مسيرتها الفنية، تصف ميس والدها أنه الداعم الرئيسي لها في مسيرتها، وعلى الرغم من أنه لم يكن شاعرًا بالمعنى الحرفي، فقد كان يكتب من قلب وطني صادق بكل ما تعنيه الكلمة، بعيدًا عن كونه أيضًا رجلًا مثقفًا ومؤدلجًا سياسيًا، وكلماته لها وقع كبير في نفس من يسمعها، ولم يكتب يومًا كلمات لفلسطين إلا وبكى، كان يكتب من ألم ووجع وشوق لهذا الوطن المسلوب، وكان أيضًا مؤسس فرقة "نداء الجذور" في الكويت بمساعدة والدتها.

i17.png

خلال فترة قصيرة، جاب صدى صوت ميس وأغانيها الوطن العربي، خصوصًا بعد إصدارها ألبومها الأول، "صوت الحرية"، وكانت آنذاك في الحادية عشر من عمرها، وصفت ميس تلك البداية بالمبهرة، حيث قالت: "كان الألبوم بكلماته وألحانه أكبر من عمري وصوتي، لكن كان هذا التحدي الذي راهن عليه والدي أنني سأتقنه تمامًا، خاصةً أن ٩٠% من الأغاني كانت من تأليف والدي وألحانه.

 كان هذا الألبوم هو من شكّل نقطة محورية في مسيرتي من كل الجوانب، لاقى أصداءً كبيرة لم نتوقعها، وقبولًا في الشارع الفلسطيني والعربي، لأن كل ما تم كتابته لامس الواقع تمامًا، وجاء في الوقت المناسب، وكان صوتي كطفلة صغيرة، إضافة مميزة جعلت المستمع يستغرب: كيف لطفلة بهذا العمر إتقان مثل هذه الكلمات والألحان، وفعلًا، أشهر قليلة، ولم يخلُ بيت فلسطيني من أناشيد صوت الحرية".

| أغاني من عمق الحدث

i14.png

كانت أغاني ميس شلش الوطنية تأتي إما امتدادًا لأحداث مستجدة على الساحة الفلسطينية بهدف دعمها وتمكينها، والالتحام مع الواقع الفلسطيني الآني، أو تأتي عامة أكثر، في سياق تدعيم المعاني الوطنية والانتماء، وشحذ همم المقاومة والطاقات. وعلى صعيد اختيار الألحان والكلمات تقول: "كانت من المهم أن تكون كلمات قوية رصينة، لها معنى وبُعدًا سياسيًا ووطنيًا، وليست مجرد كلمات تُكتب وتُغنى فقط، حاملة الهدف الأساسي، وهو المساهمه في تصعيد الروح الوطنية والمشاركة بشتى الوسائل، برغم صغري وعدم إدراكي".

وفي سياق الحديث عن الكلمات واختيارها، فإن ميس التي بدأت بالغناء لوالدها، وكلها فخر وحب لهذا، فقد تعاونت مع شعراء آخرين تفخر بالعمل معهم أمثال الشاعر خليل عابد، والشاعر ناصر قواسمة، والشاعر ياسر علي، والشاعر أسامة أمون. لمع اسم ميس في الوطن العربي، وصار صوتها أيقونة وطنية، ومن ذلك الحين باتت تنتج الأغنية تلو الأخرى، والألبوم تلو الآخر، ولكن حتى اللحظة تحمل بعض الأغاني خصوصية في نفس ميس.

i18.png

تقول: "كل ما قدمته من أغان وطنية كان لها بصمة مميزة بالنسبة لي، لكن "صباح الخير يا بلادي"، في بداياتي، كانت الأقرب لقلبي، كانت أول أغنية أقوم بتلحينها، وشعرت بكلماتها تخترقني وكأنني أرى فلسطين أمامي كلما غنيتها في ما بعد، إضافة إلى أغنيتيّ "مكتوب عجبينك بطل، وجن جنونه يا جنين" وهي أحب الأغاني لقلبي".

مسيرة ميس الفنية لم تقتصر على إنتاج الأغاني، بل يُضاف لها المهرجانات والحفلات الوطنية التي كانت تحييها في أرجاء مختلفة من الوطن العربي، وفي بعض الدول الغربية أحيانًا. وكانت المهرجانات بمثابة شحن همم متبادل بينها وبين الجمهور، ففي الوقت الذي تدب في نفوسهم القيم والمعاني الوطنية من خلال أغانيها، يتفاعلون معها بحماسة، فكانوا يزيدون من إصرارها على إكمال هذا المسير ويدعمونها.

| "جرعونا المر يا ستي"

i7.png
ميس شلش في حفلاتها

وتستذكر أن هناك بعض المواقف التي شهدتها في المهرجانات، ولا زالت تعيش في ذاكرتها حتى اللحظة، حيث تصف إحدى المواقف قائلة: "عندما كنت في أحد المخيمات الفلسطينية في الأردن أحيي حفلة بمناسبة وطنية، وكنت في الثالثة عشر من عمري، وكان هناك أعداد كبيرة من الحضور من كبار بالسن، وبدأت الحفل بغناء موال "جرعونا المر يا ستي"، وانتهيت من الحفل، وعند نزولي عن المسرح، أشار لي أحد كبار السن أنه يريد السلام عليّ، فذهبت إليه، وكان يبكي بحرقة، وسحب يدي يريد تقبيلها وهو يقول "شو عملتي فينا، رجعتيني للبلاد يا سيدي صوتك بكاني"، بكيت معه، وحاولت سحب يدي إلا انه أصر على تقبيلها، لكن استطعت التوصل لاتفاق معه أن أقبل يده أولًا، ثم يقبل يدي، كان هذا الموقف مؤلمًا ومفرحًا لم أنسه طوال حياتي".

i19.png

وفي سياق آخر، قالت: "لكل مهرجان واحتفال وجمهور خصوصية بالنسبة لي، ولكن جمهور المغرب العربي كان دومًا يعطيني شعورًا مميزًا، إن الجماهير ليست فلسطينية، فكانت مشاعرهم عجيبة اتجاه فلسطين، فخرهم واعتزازهم بوجودي بينهم كوني فلسطينية، وحفظ للأغاني الخاصة بميس شلش عن ظهر قلب".

أهّلت هذه المسيرة الحافلة ميس شلش لتحصل على جوائز مهمة، مثل الجائزة البرونزية لأغنية "يا عالم العدالة" (2001)، والجائزتين الذهبيتين لأغنية "يتيمة" وأغنية "أمشي ودروبي نار" (2002)، وجائزة أفضل أداء وأفضل تلحين لأنشودة "صباح الخير يا بلادي" التي قامت بتلحينها، وهي كلمات والدها (2003)، وغيرها، إضافة إلى حصولها على الدكتوراه الفخرية من المركز الأعلى للإعلام الفلسطيني.

| معيقات في وجه الفنانة الملتزم

 
 
درست ميس شلش الصحافة والإعلام في جامعة البتراء في الأردن، وكان لدراستها الأثر الإيجابي على مسيرتها، حيث قالت: "شعرت أن رسالتي واحدة وممتدة مع هذا التخصص بالذات، فكانت تدور حول الأخبار والمواضيع السياسية، فكان هدفي، في حال اعتزلت الفن، الاستمرار بشهادتي في خدمة قضيتي وشعبي، الهدف كان يصب في نفس المجرى".
 
 وأضافت: "على صعيد آخر، كانت مسيرتي تجبرني على الغياب والسفر كثيرًا، وهذا كان مجهودًا مضاعفًا، نفسيًا وجسديًا، لأنني مضطرة لدراسة ما فاتني بنفسي، وتقديم الامتحانات لوحدي، وكل الشكر والتقدير لأساتذتي الدكاترة، إذ كانوا خير عون لي، وداعمين بكل قوة حتى أستطيع الاستمرار والدراسة وكان هذا أكبر عامل مساعد لي في دراستي وتخرجي، وهو وقوف أساتذتي بجانبي، وفخرهم بإنجازاتي".

إلى جانب أن ميس ترعرعت في بيئة ذات حس وطني عال، فقد نشأت في بيئة متدينة وملتزمة، مما خلق لها بعد البلوغ، تحديات فيما يخص التزامها باللباس الشرعي والحجاب، ومحاولة الموازنة بين تعاليم الدين، وحلمها في حمل قضيتها من خلال صوتها. تقول: "إن الحجاب بالنسبة لها لم يكن يومًا من الأيام عائقًا، رغم أن هناك كثرًا كانوا يرددون عبارة "بدون حجاب أحسن"، ولكنها لم تكترث، حيث إنها ترى أن الحجاب بعيدًا عن أنه فرض، كان التكملة الجميلة لما كانت تقدمه كونها فنانة وطنية ملتزمة".

على صعيد آخر تقول ميس: "كان هناك خلاف على صوتي، ووجودي في الوسط الفني كفتاة، وليس كطفلة حينها، فأصبح هناك معارضين ومؤيدين ما بين حلال وحرام، وظل الأمر عالقًا حتى حصلت على فتوى من الشيخ يوسف القرضاوي الذي ركز فيها على نيتي، واحتشامي الذي لطالما رافقني فلن يكون هناك خلاف".

أما على صعيد دراستها الجامعية، فقد درست ميس الصحافة والإعلام في جامعة البتراء في الأردن، وكان لدراستها الأثر الإيجابي على مسيرتها، حيث قالت: "شعرت أن رسالتي واحدة وممتدة مع هذا التخصص بالذات، فكانت تدور حول الأخبار والمواضيع السياسية، فكان هدفي، في حال اعتزلت الفن، الاستمرار بشهادتي في خدمة قضيتي وشعبي، الهدف كان يصب في نفس المجرى".

i20.png

 وأضافت: "على صعيد آخر، كانت مسيرتي تجبرني على الغياب والسفر كثيرًا، وهذا كان مجهودًا مضاعفًا، نفسيًا وجسديًا، لأنني مضطرة لدراسة ما فاتني بنفسي، وتقديم الامتحانات لوحدي، وكل الشكر والتقدير لأساتذتي الدكاترة، إذ كانوا خير عون لي، وداعمين بكل قوة حتى أستطيع الاستمرار والدراسة، وكان هذا أكبر عامل مساعد لي في دراستي وتخرجي، وهو وقوف أساتذتي بجانبي، وفخرهم بإنجازاتي".

أما عن العقبة الأكثر التي بدأت ميس تغني في سبيل التصدي لها ومقاومتها بأسلوبها الخاص، الضغوطات التي تعرضت لها من سلطات الاحتلال الإسرائيلي الذي عمل على منع دخولها إلى فلسطين، ووضعها في القائمة السوداء، واتهامها بأنها تحرض على العنف والإرهاب.

| مرحلة جديدة

i21.png

كما وصفت ميس، فإن حياة الإنسان عبارة عن مراحل ومحطات، ولكل مرحلة خصوصيات، وكانت ميس قد رسمت من تلقاء نفسها، في عقلها منذ البداية، أن الارتباط سيكون المرحلة الجديدة التي ستحمل معها أسلوبًا آخر في التخطيط والسير، وبالفعل، ما إن ارتبطت ميس بشريك حياتها، النور الذي بدأت معه مرحلتها الجديدة، حتى عزمت على اعتزال الحفلات المختلطة، وإنتاج الأغاني، في حين أبقت على الحفلات الخاصة بالنساء، وأضافت في هذا السياق: "لم تتأثر حياتي بانتقالي بعد زواجي للنمسا، على العكس، فإن زوجي يقوم بتشجيعي في موضوع الحفلات النسائية والاستمرار فيها، ويسافر معي للحفلات، ويترك عمله بالأسابيع لأجلي بكل حب وسرور، وكل هذا من أجل الدعم والمساندة".

ميس أنجبت طفلها الأول وأطلقت عليه وزوجها اسم إبراهيم، واصفة مشاعرها بالمختلطة ما بين الخوف والفرح، خوف من المستقبل، ومن قدرتها على تأدية هذا الواجب الكبير في تربية طفل، وبين استبشارها بطفلها القادم.

وأضافت: "جاء مولودي الأول، وبكل تأكيد، فإن جُل وقتي سيذهب تلقائيًا لأمومتي والتفرغ لها، لكن هذا أيضًا لن يمنعني من العمل، ومن تكملة مسيرتي في الحفلات النسائية برفقة زوجي، وإن شاء الله، سنكمل المسيرة برفقة الصغير إبراهيم حتى تكون نشأته كأمه تمامًا".