بنفسج

ليالي التعاليل: العرس الشعبي الفلسطيني

الثلاثاء 09 نوفمبر

تمثل العادات والتقاليد الاجتماعية بابًا ومَدخلًا في فهم طبيعة المجتمعات، والشعوب، والأفراد؛ وماهية حياتهم، وتفاصيلها، واختلافاتها المتنوعة في كل مدينة، وقرية، وبلد. وللمجتمع الفلسطيني تنوع اجتماعي وثقافي مُؤصل وقديم؛ ويمتزج ذلك التنوع ويتشابه في كثير من العادات والتقاليد المختلفة في كل دروب ومجالات الحياة ومعيشاتها. وفي هذه المقالة الموجّزة نسلط الضوء على عادات وتقاليد العرسّ الفلسطيني التراثي.

هذا على الرغم من تعدد العادات واختلافها من مدينة إلى أخرى؛ إلى أن هناك طقوسًا ثابتة لعادات العرس الفلسطيني الشعبي، والذي ما زال متمسكًا بها رغم اختلاف بعضها، خصوصًا حينما نسلط الضوء على مُجتمع مختلف الأماكن ما بين فلسطينيي غزة، وفلسطينيي الضفة، وفلسطينيي ال٤٨، وفلسطينيي الشتات في العالم العربي والغربي، إلا أن أصل هذه العادات وطبيعتها في العرس الفلسطيني واحدة، وما زال يحاول الفلسطيني التمسك بها إلى يومنا هذا.

| في البدء: اختيار العروس

العرس1.png

إذ إنه في الماضي كان ذلك من مهمات الأم، ومن ثم موافقة الأب الذي يضع الحسّب والنسّب والأصل والسُمعة الطيبة في عين الاعتبار، ومن ثم يأتي في المرحلة الثانية رأي وموافقة العريس أو العروسة، وكانت الأولوية للقريب ولابن العم، ومن بعد ذلك من القرية، وبعد ذلك خارج القرية.

أما في الوقت الحالي، فأصبح العريس والعروس هم من لهم الرأي في الاختيار على خلاف الماضي. وفي المراحل التي تلي الاختيار تَتِم خطوات الزواج على الوجه التالي: 

| الزيارة الأولى: وتكون إلى بيت العروس من قبل أم العريس وأخواته، أو تصحب الأم جدة العريس أو سلفتها وما إلى ذلك، وتكون الزيارة الأولى نسائية بحتة لجّس النبض، والتعارف من قبل الطرفين. بعد أن يتم الموافقة من الطرفين يتم تحديد موعد الطلبة لتحديد طلبات أهل العروس والاتفاق على التفاصيل.

وفي الطلبة عادةً ما يكون عدد الرجال أكثر من النساء وهم كبار العائلتين، وقد يبلغ العدد عشرين زائرًا لبيت العروس. ويطلب، والد العريس، أو من ينوب عنه، العروس من أبيها أو من ينوب عنه، وبعد الموافقة يتم الاتفاق على تفاصيل المهر، والذهبّ، والجهاز وتفاصيل العرس. ثم بناءً على ذلك يقرؤون الفاتحة على نية التوفيق، وتبدأ التبريكات والدعاء بالتوفيق في الوقت الذي تبدأ فيه النساء بالزغاريد والمهاهاة.

العرس2.png

وكانت الخطبة هنا تعني الحجز، وكانت مُدتها قصيرة، وقليلة الزيارات، وغالبًا ما يتم زيارة العريس للعروس في بيتها وبوجود الأهل، أو الخروج مع مرافق. أما الآن فتطول فترة الخطبة، ويتم الزيارات والخروجات دون تقيد حاد، على خلاف الزمن الماضي، وفي الغالب يتم اختصار الطلبة والخطبة والتلبيسة في يوم واحد، ويتم شراء الذهب قبل الطلبة لاختصار الوقت والجهد.

| ليالي التعاليل والزفة: وتكون غالبًا بين فصل الصيف والخريف وبعد حصاد الزرع وقطف الثمار، وتقوم ليالي التعاليل، والزفة غالبًا في ساحة القرية أو حاكورة دار العريس، وتكون النساء داخل البيت، ويُحي هذه الليلة أغاني السامر، والدبكة، والدلعونة، والزجل عند الرجال، ممزوجة بالأحاديث، وزغاريد النساء، وغنائهم داخل البيت، ويتم في أثناء كل ذلك تقديم القهوة والحلويات للمعازيم. ومن الجميل بمكان استحضار ذكر المساعدة، وروح التعاون بين الأهالي والجيران بتجهيزات العرس كاملة. 

العرس5.png

| الحنة: وتكون ليلة الحنة قبل يوم العرس بليلة واحدة، تجتمع النساء عند أم العريس، ويتناوبن على عجن الحناء وتجهيزها بطبق واسِع، ومن ثم تزينها بالورد، وأغصان الزيتون، والشموع، مع الغناء للعريس وأهله، ومن ثم يذهبن بالحناء إلى العروس ويتم هناك تحنية العروس أولًا ومن ثم تحنية المدعوات، ويُحيين تلك الليلة بالزغاريد والمهاهاة، والرقص على الدلعونة والميجنا، وعادةً ما يجتمع الرجال أيضًا لإحياء ليلة الحنة بالشُعار أو بالعويدة، وهي فرق غناء شعبية. ويكن متباهيات بزيهن، وهو الثوب الفلسطيني، وذلك بحسب مناطقهن؛ الخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس، وكل منطقة لها ثوب مميز لها، بعدد العروق، ونوع حبات التطريز، وإكسسورات الرأس.

 | يوم الزفاف: وتبدأ من الصباح الباكر حيث يأخذ أصدقاء العريس عريسهم إلى الحمام التركي أو في بيت أحد أصدقائه، ويتم حمام العريس وحلاقته والمزح معه بالضرب بما يُسَمونها "قتلة العريس أو واجب الطبطبة". وعند الانتهاء من الحمام يزفونه بالأغاني المختلفة مثل: "طلع الزين من الحمام، الله واسم الله عليه..". ويلبسونه لباس الزفة ويزينونه، ويعطرونه، وتستقبله والدته بالمهاهاة والزغاريد. وتجتمع النساء من أهل العريس في الصباح في البيت لإعداد الغداء للمدعوين مع الغناء والمهاهاة، وغالبًا ما يكون عبارة عن المنسف، أو الجريشة، أو أكلات اللبن، وتختلف من منطقة لأخرى.

العرس6.png

| الزفة: بعد الانتهاء من حمام العريس وإعداد الطبيخ تنطلق الزفة لإحضار العروس من بيت والدها، وتتقدم الزفة بكبار السّن، وأقارب العريس، ومن ثم العريس الذي يتوسَط أصدقاءه. وعند الوصول لبيت العريس تخرج العروس وهي مرتدية العباءة ومغطاة رأسها، وثوبها، وحولها أعمامها وأخوالها مرحِبين بأهل العريس، وتسير بزفة إلى بيت العريس، يصاحبُ ذلك الأغاني، والزغاريد، والمهاهاة.

العرس3.png

وعند الوصول إلى بيت العروس تلصق العروس عجينة على حجر عتبة باب البيت، وذلك بحسب اعتقادهم فأل خير من ذرية ولاستمرارية الحياة بينهم بلصق العروس في بيت زوجها. وبعد ذلك يتم تقديم الطعام ثم المشروبات الباردة والحلويات، ويتم تنقيط العريس والعروسة كنوع من المساعدة والمباركة. ويتم حينها توديع العروس عند النساء، وتكون لحظات حزينة لأهل العروس ولحظات فرح لأهل العريس. لتبدأ حينها لحظات من ولادة عشٍ جديد لعائلة سَعيدة تستمد سعادتها من تراثها وعاداتها.

هذه العادات الاجتماعية الخاصة بالعرس الفلسطيني لازال بعضها قائمًا لدى الكثير من العوائل الفلسطينية، وبعضها غابت مع مرور الوقت والزمن والتغيرات الاجتماعية في العصر الحديث، إلا أن معاني التراث والهوية الفلسطينية لا زالت حاضرة في نفوس الفلسطينيين، ولعل أحد شواهد ذلك هي الدبكة الفلسطينية التي توارثتها الأجيال بعد الأجيال حتى هذه الساعة.