بنفسج

د.لبنى حرازنة: بين الحلم والحقيقة مسافة جدٍ واجتهاد

الخميس 14 سبتمبر

"تستيقظ كل صباح قبل الجميع ولأجل الجميع تعد الطعام، ترتب المكان، تحكي القصص تعلم وتربي وتتجمل لزوجها، وتقوم بواجباتها الدينية والاجتماعية على أكمل وجه"، روتين يومي شاق لكثير من النساء والأمهات، قد يجده كثيرون عاديًا، لكنها تسطر من خلاله نجاحًا يبدأ من بيتها، وصولًا لكامل المجتمع، فهي تبني أمة بأكملها.

تخيل هذا النظام اليومي الصعب القائم على الحب والمسؤولية العظيمة، وقد شاطرته أحلام ومصاعب وأعمال أخرى لتعيد بعض النساء إبهارنا ضعفين؛ حين استطعن أن يحققن النجاح خارج البيت وداخله، نجاحًا لها وآخر لغيرها في ظروف شبه مستحيلة. اليوم ستكون قصتنا عن أم ومربية وزوجة ودكتورة وأستاذة وممرضة، تفوقت في كل الصفات السابق ذكرها، وما زالت على درب العطاء والحلم الذي اتسعت الأرض على قدره.

بداية طريق العلم

الدكتورة لبنى فاروق محمد حرازنة، عميدة كلية التمريض في الجامعة العربية الأمريكية، من قرية دير الغصون قضاء طولكرم، متزوجة وأم لثلاثة أولاد، حاصلة على درجة البكالوريوس في التمريض من كلية ابن سينا، ودرجة الماجستير من جامعة النجاح الوطنية في تخصص الصحة النفسية، ودرجة الدكتوراه في تخصص فلسفة التمريض من الجامعة الأردنية.

بطريقة فريدة منذ الطفولة سعت لبنى لتكوين نفسها؛ كونها الفتاة الوسطى في المنزل، وكانت تعتقد أن الإنسان نتاج نفسه بالدرجة الأولى؛ لذلك اختارت من العلم طريقها الأول للنجاح. 

الدكتورة لبنى فاروق محمد حرازنة، عميدة كلية التمريض في الجامعة العربية الأمريكية، من قرية دير الغصون قضاء طولكرم، متزوجة وأم لثلاثة أولاد، حاصلة على درجة البكالوريوس في التمريض من كلية ابن سينا، ودرجة الماجستير من جامعة النجاح الوطنية في تخصص الصحة النفسية، ودرجة الدكتوراه في تخصص فلسفة التمريض من الجامعة الأردنية.

بطريقة فريدة منذ الطفولة سعت لبنى لتكوين نفسها؛ كونها الفتاة الوسطى في المنزل، وكانت تعتقد أن الإنسان نتاج نفسه بالدرجة الأولى؛ لذلك اختارت من العلم طريقها الأول للنجاح. تقول: "كانت علاقتي بإخواتي مميزة جدًا ومحفوفة بالكثير من الدفء وتفاصيل الطفولة الحانية، وفي مدرستي كان يغلب عليّ الاجتهاد والتميز، وفي مرحلة الثانوية العامة بذلت جهودًا كبيرة لأحصل على معدل مرتفع وبفضل الله أحرزت ذلك".


اقرأ أيضًا: د. مرفت الشرباتي: العلم طريق آخر لنصرة فلسطين


عندما بدأ سيدنا موسى مشواره، طلب من ربه شريكًا في طريقه، يكون له عونًا وسندًا، وهذا ما حصل مع ضيفتنا، وسرعان ما باشرت الدكتورة لبنى دراستها الجامعية في تخصص التمريض في كلية ابن سينا في رام الله، لم تمتلك شغف البدايات لكن ذلك لم يمنعها من مواجهة التحديات، خاصة مع رفقاء الطريق الذين كانوا خير معين لها.

تضيف لبنى: "في مرحلة البكالوريوس التقيت بفتيات تشاركن معي ذات الظروف وذات الهمة والطموح، فازددت عنادًا على إكمال المسير وتخطي الصعاب، عشت في مدينة رام الله التي شكلت كل ذكرياتي، وكانت الكلية مرحلة انطلاق كبيرة، كنت أتلقى دائمًا المدح من قبل أساتذتي بطريقة طرحي وتفاعلي مع النقاشات العملية".

لبني في الحياة العملية

5-4.jpg
لبنى حرازنة في مناقشة الدكتوراه الخاصة بها

كان عمل الدكتورة لبنى في مجال التمريض، داعمًا ومحفزًا لها أيضًا، فقد كانت ترى الموت وتشتم رائحته بكل تفاصيله الأمر الذي جعلها تشعر أكثر بقيمة الحياة والنعم الكثيرة من حولها، عازمة بأن تتخلق بالرضا والقناعة. وكان لديها رغبة قوية في عدم التوقف عند درجة البكالوريوس، وجاء من يحثها على السير نحو أحلامها، فبعد ارتباطها، كان زوجها مؤمن بزوجته الممرضة وأن لديها قدرات أعلى من مجرد العمل في الميدان، فتكللت سنوات زواجها الأولى بنيلها درجة الماجستير.

في عام 2013 توجهت إلى مجالها الأكاديمي كمحاضرة في الجامعة العربية الأمريكية في جنين، بعد عملها محاضرة في عدة كليات تمريض، وتصادف ذلك مع طرح الجامعة العربية الأمريكية منحًا لإكمال درجة الدكتوراه. تضيف لبنى بهذا الصدد: "حصلت على فرصة التقديم للمنحة، وبعد التقديم تفاجأت باتصال هاتفي من إدارة الجامعة تطلب مني حسم قراري بقبول المنحة أو رفضها، كانت أيام ولحظات عصيبة علي، فكنت في ضغط وتساؤلات عدة، كيف أفاضل وأوفق بين بيتي وأحلامي، خصوصًا أن ابني يحيى كان بعمر الخمس أشهر، ويعتمد علي في الرضاعة ولدي من قبله طفلين محمود ويامن في المرحلة الأساسية في المدرسة وبحاجة لي أيضا، ناهيك على أن زوجي كان مسافرًا لأداء شعيرة الحج".


اقرأ أيضًا: د.سماح جبر: حديث النفس الكامن وراء حضور امرأة


وازدادت الأمور صعوبة بعد شروط الجامعة، فتقول: "اشترطت عليّ الجامعة وقتها أن أظل على رأس عملي في الجامعة في حال قبلت بابتعاث الدكتوراه والذي كان للجامعة الأردنية في الأردن". وكما يُقال: وراء كل رجل عظيم امرأة وكذلك الحال، فوراء كل امرأة تحقق أحلامها، رجل مؤمن بها داعم لها، وهذا ما حصل مع لبنى التي لم يخرجها من حيرتها إلى زوجها الذي شجعها رغم كل الظروف المحيطة بالأمر.

عن دعم الزوج والعائلة

اضطرت لبنى إلى فطام طفلها يحيى، مما شكل لها ضغطًا نفسيًا كبيرًا، وبعد سفرها الأول عادت إلى المنزل في تمام الساعة الثانية ليلًا، وكان يحيى في حالة بكاء شديد، بينما لم يستطع طفلاها يامن ومحمود النوم قلقًا عليها. وعن هذا الموقف تخبرنا: "كان هذا الموقف كفيلًا بأن أبيت تلك الليلة باكية، وقد عقدت النية على أن أترك مشوار الدكتوراه لولا دفع زوجي لي للتحامل على نفسي".
 
إلى جانب زوجها الذي كان له الدور الأساسي في تشجيعها ودعمها المستمر، فقد كانت عائلتها تقدم دعمًا كبيرًا لها، بدعوات والدتها والفخر الذي كانت تراه في عيونها كلما حققت نجاحًا لتضيفه إلى مشاورها الزاهر. 

اضطرت لبنى إلى فطام طفلها يحيى، مما شكل لها ضغطًا نفسيًا كبيرًا، وبعد سفرها الأول عادت إلى المنزل في تمام الساعة الثانية ليلًا، وكان يحيى في حالة بكاء شديد، بينما لم يستطع طفلاها يامن ومحمود النوم قلقًا عليها. وعن هذا الموقف تخبرنا: "كان هذا الموقف كفيلًا بأن أبيت تلك الليلة باكية، وقد عقدت النية على أن أترك مشوار الدكتوراه لولا دفع زوجي لي للتحامل على نفسي".

مرت الخمس سنوات وعانت خلالها الكثير، لكنها وجدت في الألم ما فيه المنفعة والخير فتردف: "المعاناة التي عايشتها أثناء السفر والتنقل بسبب قيود الاحتلال الإسرائيلي على الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش، نسجت فكرة أطروحة الدكتوراه التي جاءت بعنوان "المناعة النفسية لدى أطفال الأسرى السابقين"، وبفضل الله استطعت نشرها كبحث علمي محكم في مجلة علمية مرموقة، وكانت آخر محطات نجاحي تسلمي  منصب عميدة كلية التمريض في الجامعة العربية الأمريكية في عام 2021، والتي تعتبر أكبر كلية في الجامعة".


اقرأ أيضًا: نداء عزيز الدويك: ابنة الخليل الوفية


إلى جانب زوجها الذي كان له الدور الأساسي في تشجيعها ودعمها المستمر، فقد كانت عائلتها تقدم دعمًا كبيرًا لها، بدعوات والدتها والفخر الذي كانت تراه في عيونها كلما حققت نجاحًا لتضيفه إلى مشاورها الزاهر. ولم تنس حرازنة دعم أخواتها اللاتي كن الحضن الجميل والملاذ الآمن بلحظات الضعف، ولها ولأطفالها، في ظل غيابها، "وياما كان لهم مواقف بالأوقات الصعبة.. ولا مرة بنسى كيف كنت أترك ولادي عند خواتي صفاء أو وفاء أو فاطمة بالأيام للدراسة أو السفر، وأكون مطمئنة البال".

ولا بد أن عوامل النجاح تحتاج لدعم من كل المحيط، لذلك كان أهل الزوج وخاصة حماتي هي مصدر دعم نفسي ومعنوي كبير، احتضنت اولادي فترة الدراسة وساندتني بحب، ودعمتني خلال عملي ولا زالت تقدم بلا حدود عطاء وحب وحنان للجميع.

لبنى الأم

6-1.jpg
لبنى حرازنة مع أولادها وزوجها

كانت تسعى لبنى، كونها أمًا وربة منزل قبل كل شيء، لإتمام مسؤولياتها بشكل مثالي كانت رغبتها المستمرة، لكنها أيقنت أن ذلك يؤدي بالمرأة إلى الهلاك بنهاية المطاف، وتأكدت مع مرور الوقت أن المجتمع يحيط الطموحات بالكثير من العراقيل، بوضع المرأة الطموحة في دائرة الانتقاد، يتوقع منها بأن تكون أكثر استقلالية من النساء غير العاملات في حين أنها دائما بحاجة إلى مساندة زوجها وأهلها.

وفي هذا السياق تردف لبنى: "شعور المرأة بالتقصير شعورًا طبيعيًا يحركها دائمًا لأن تقضي أكبر وقت ممكن مع أطفالها، وأن تضحي بساعات نومها ليلًا في سبيل أن تحيطهم بدفء وجودها وعاطفتها، فلطالما شعرت بشيء من الأذى النفسي أثناء دراستي الدكتوراه، إلى جانب شعوري بالسعادة أنني أطور من نفسي، بسبب السفر الأسبوعي من فلسطين إلى الأردن، إضافة إلى ضغط المتطلبات الدراسية في مرحلة الدكتوراه والعمل في الجامعة في ذات الوقت، ولكن كوني امرأة قوية أسعى لأن أحقق أحلامي فلهذا منفعة على أطفالي أيضًا".


اقرأ أيضًا: زينب الغنيمي: سيرة هتاف متواصل "كرامة.. حرية.. عدالة اجتماعية"


تستذكر حرازنة اللحظات المتعبة التي عايشتها في فترة الدكتوراه، فكانت في كثير من الأيام تحرم نفسها النوم حتى تقضي أكبر وقت ممكن مع أطفالها وعائلتها، ومن ثم تبدأ دراستها بعد منتصف الليل إلى الصباح. ترى أن مفتاح النجاح الأول هو الإيمان بالقدرات، ترى لنفسها دائمًا مكان تستطيع فيه أن تقدم عملًا فارقًا في حياة الناس، وتظن أن الشغف دائمًا يحتاج للتشجيع حتى لا يموت، والكثير الكثير من مراجعة الذات.

وحاليًا جل ما تهدف له الدكتورة لبنى هو تطوير نفسها أكثر في المجال الأكاديمي، إلى جانب سعيها للتركيز بشكل أكبر مع عائلتها وأولادها كي تعوضهم عن غيابها في الفترة السابقة. وتوجه حرازنة رسالتها بكل فخر إلى كل طالب علم وتقول "رسالتي لكل الطلاب، ادرس لليوم الذي تكون فيه بموقف قد يغير مسار حياة إنسان، واعلم أن مهنة التمريض قد تكون سببًا في نجاتك أو هلاكك في الآخرة، فاعمل بإحسان أو اتركها".