السلام عليك يا مريم، أينما حللت، في الدنيا وأنت تبذلين وتضحين، وتنقلين قصص الأهل والجرحى، وتقصّين معاناتهم منذ حرب الإبادة، وفي الآخرة اصطفاء وشهادة، أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، "والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم "، فسلام عليك يا مريم.
ونحن نزف خبر استشهادك بغصة كبيرة: "استشهدت الصحفية مريم أبو دقة اليوم الإثنين 25 آب 2025، نتيجة قصف الاحتلال الإسرائيلي لمجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، رفقة عدد من الزملاء الصحافيين، ليصبح عدد الذين ارتفعوا منذ حرب الإبادة 244 صحفيًا وصحافية.
بعد أن قضى اليوم: مريم أبو دقة الصحافية في إندبندنت عربية وAP، وحسام المصري الذي يعمل مع وكالة رويترز للأنباء، ومحمد سلامة المصور الصحفي بقناة الجزيرة، ومعاذ أبو طه الصحفي مع شبكة NBC الأمريكية.
شعور بدنو الأجل
"نحن في هذه الحياة عابرون، نمرّ كما تمرّ السحابة، لا نملك منها شيئًا سوى أعمالنا"، هذه آخر تغريدات التي نشرتها مريم، ونحن يا مريم عابرون، دخلاء زائرون، كالسحاب، نتقدم بأعمالنا لله عز وجل، وهأنت تتقدمين وقد ثقلت موازينك، ولا نزكي على الله أحدًا، ملأت جعبتك بالصالحات، وقفت بطلة في حرب الإبادة، تصورين وتنشرين وتنقلين قصص الجائعين والمشردين والجرحى.
وآخر ما صورته مريم هي قصة الشاب أحمد وهو شاب عشريني أصيب بصواريخ الاحتلال، ما أفقده القدرة على المشي. لم يكن حلم أحمد يتجاوز حدود الأماني البسيطة، فقد كان كل ما يطالب به، عبر عدسة مريم، هو فرصة للعلاج في الخارج، ليتمكن من الوقوف على قدميه من جديد، والعودة لممارسة عشقه الأبدي في لعب كرة القدم. كما نذكر مريم وقد رافقت الشهيد الصحفي حسن اصليح منذ بداية الحرب غير آبهة بتهديدات الاحتلال له فكانت تأخذه بسيارتها في كل تغطية.
الصحافية البطلة
مريم أبو دقة، 32 عامًا، من مدينة خان يونس، خريجة جامعة الأقصى، تعرف عن نفسها بقلمها فتقول: "أنا الصحفية مريم أبو دقة غزة وتحديداً من جنوبه مدينة خانيونس بل من شرقها الأقرب لقلبي، أم لطفلي ورُجلي الوحيد (غيث) .. لعل جميعكم أو غالبيتكم يعرفني من قبل فأنا التي غطت دون توقف جميع أحداث القطاع المحاصر منذ العام 2016، لكن لا بأس أن أعرفكم على نفسي من جديد لأنه وخلال عام واحد فقط تغير كل ما تعرفونه وما أعرفه عني.
منذ عام وتحديدًا منذ السابع من أكتوبر 2023 اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد عملية (طوفان الأقصى) ومنذ حينها لم أذق طعم النوم المتواصل كما ينبغي أنا وزملائي وزميلاتي الصحافيين حيث كنا في الصفوف الأولى للتغطية ابتداءً من مدينة غزة نفسها وصولًا لجنوب القطاع وخلال هذه الشهور الطويلة.
اقرأ أيضًا: إيمان الشنطي... آيات خضورة ... حنين البارود ... فاطمة الكريري
حضرت مشاهد وعشت مشاعر لن تُمحى من ذاكرتي حيث كانت أجساد الشهداء تتطاير من حولنا مع كل استهداف نرصده، غطينا لحظة فراق الأحبة ووداعهم، غطينا لحظة فقدان الأطفال لذويهم الشهداء .. يالله كيف سيمضوا بقية أعمارهم دونهم؟ ومن ذا الذي أخبر العالم بأن أطفال وأهل غزة هم (جبل المحامل) حتى رشقوا كل هذا الثقل والألم في قلوبهم.
غيث "لقاء لن يتجدد"
أرسلت مريم ولدها الوحيد، كحال كثير من الأمهات الصحفيات، (غيث)، وهو صديقها ومهجة قلبها، كما تقول، إلى خارج القطاع خوفًا عليه من حرب الإبادة ولاستكمال مسيرته التعليمية التي توقفت وحرم منها كبقية أطفال شعبي نتيجة الحرب المتواصلة.
نشرت مريم سابقًا تقول بمناسبة عيد مولده: في هذا اليوم الخاص، أريد أن أشارككم جميعًا حبي العظيم لإبني غيث الذي يكبر في العمر لكنه يبقى في قلبي ذلك الطفل الصغير الذي أدخل السعادة إلى حياتي منذ اللحظة الأولى، غيث هو سندي وروحي في هذه الدنيا، في كل لحظة أراه، أشعر وكأنه ملك يدخل عليّ، يملأ قلبي بالفخر والحب.
اليوم، وأنا بعيدة عنه بسبب الحرب والظروف الصعبة، أشتاق لكل لحظة كنا نحتفل فيها معًا بيوم ميلاده، أشتاق لصوته وضحكته وعطره الذي لا يفارق ذاكرتي، رغم المسافات، يبقى غيث في قلبي وروحي، وأفكر في اليوم الذي سأحضنه من جديد بعد هذه الأشهر الطويلة. غيث، أنتَ أغلى ما أملك، أنت غيثي في هذه الحياة، كل عام وأنت بخير، يا أعظم هدية منحني إياها الله، أحبك من كل قلبي وأعد الأيام حتى أراك مجددًا ألقاك على خير وجعل اللّٰه بيننا لقاء يا ولدي ..".
في رثاء والدتها
أما عن والدتها فتقول مريم: "أما عن خسارتي الأعظم؛ فلقد فقدت في شهر مايو الماضي "للأبد" حبيبة روحي، جميلتي، وعمري الذي لطالما دعوت اللّٰه أن يستمر طالما بقيت أنا في عمري (والدتي الحاجة صبحية أبو دقة) التي قضت روحها الطاهرة إلى باريها حزنًا ومرضًا وقهرًا على الحال الذي وصلت إليه بلادنا.
وفي عام 2018 أذاعت الصحافية الفلسطينية مريم أبو دقة خبر استشهاد شابين فلسطينيين خلال مسيرات العودة، لتتفاجأ في وقت لاحق أن أحد الشابين كان شقيقها محمد، دون أن تعلم، كان ذلك على الحدود الشرقية لخان يونس جنوب قطاع غزة، عندما أطلق جنود الاحتلال النار على الجماهير المشاركة في مسيرة العودة، وكانت مريم تلتقط الأحداث بعدستها.
ومر من أمامها أشلاء شهيدين رأتهم أمام أعينها، لكنها لم تدرك أن من بينهم شقيقها "محمد"، اتصل بها زميلها مرة أخرى بذات الموقع يستفسر عن أسماء الشهداء ردت عليه "3 دقائق وأحصل على أسماء الشهداء". فقالت: الله يعين أهله، وهي لا تعلم أنه شقيقها. وإذا بشقيقها الآخر الذي بجانبها يقول لها "أخوك الشهيد".
الابنة البارة
مريم الابنة البارة التي تبرعت بكليتها لوالدها دون أن تقبل بتدوين القصة أو تصوريها أو الحديث عنها، لأنها فعلت ذلك برًا خالصًا لوالدها وإكرامًا له، ومريم هي المعيلة الوحيدة لابنها الوحيد غيث، 15 عامًا، منذ أن حملت فيه وانفصلت عن زوجها، وهي مسؤولية كبيرة ومنهكة في ظل حرب الإبادة ومهنة كالصحافة، وجميعنا بات يعلم أن الصحافيين مستهدفيين.
لذلك تضطر أحيانًا أن تفتح اتصالًا مباشرًا بينها وبين غيث من منطقة الأحداث كي يتأكّد أنها ليست مصابة خاصّة أنه يظل يراقب وسائل التواصل الاجتماعي للاطمئنان على أمه أنه بخير. وعندما تصل إلى المنزل كان يأخذ الكاميرا من يدها ويبدأ بالبحث عن الصور التي التقطتها ليحدّق بها ويلومها إذا ما كانت صوّرت جنود الاحتلال ظنًا منه أنها كانت بجانبهم ما يعرّض حياتها للخطر.
واصلت مريم عملها الصحفي في غزة رغم الحرب، وهي تعنى بتوثيق الجوانب الإنسانية. كما اشتهرت مريم بمواساتها لأهالي الشهداء، واعتادت زيارة بيوتهم، ولا ننسى يوم وثقت فرحة الأهالي عند عودتهم من الجنوب للشمال في بداية العام.