في غزة تشعر وكأن الزمان قد توقّف هنا… القمر في الليل لا يجرؤ على الاقتراب، والنجوم تعكس صورة وجهي المظلم. أمشي في طريقٍ أوله فراغ وآخره ظلام، ولا خبر مؤكّد عن وجود صباح. أسمع دقات قلبي الباردة المتعبة تهمس قائلة: هل ستشرق؟
النزوح، تعبيرًا، هو: قرية صغيرة على أطراف المدينة، بيوتها متلاصقة كقلوب أهلها، وضحكات الأطفال تملأ الأزقة الترابية. فجأةً جاء صوت الحرب، فارتجّت الجدران على وقع الصراخ. خرجنا من بيوتنا نحمل فقط ثيابنا وصورًا قديمة خبّأوها في أكياس صغيرة. أمّا البيت فلم يقدروا على أخذه، فأخذوا صورته تذكارًا في قلوبهم.
خرجوا وأنظارهم متعلّقة بما خلّفوه أكثر ممّا أمامهم، يجرّون بأقدامهم المتعبة نحو المجهول. صار النزوح قصة تُروى بعيون من اقتُلعت جذورهم من أرضهم، ليبقوا عالقين بين وطنٍ ضاع ومجهولٍ لا يشبه بيتنا الأول.
انتظار طويل على أملٍ لا أظنه سيأتي… في أول ليلة في الخيمة، شعرت أنّني شخص غريب عن نفسي السابقة. لا جدران، لا أبواب، فقط قماش هشّ يحاول أن يقنعنا بأنه “بيت”. جلستُ في ركن صغير، وضعت رأسي بين يدي وسألت نفسي: هل النزوح أن أفقد مكاني فقط؟ أم أن أفقد نفسي معه؟
ما زلنا في طريق النزوح… كلّ شيء كان يبدو غريبًا. السماء التي اعتدنا النظر إليها من فوق سطح البيت، بدت الآن شاهقة وباردة، تنظر إلينا بلا رحمة. الأم تحمل طفلها الصغير وقد أثقلها التعب، والجدّ يمشي متكئًا على عصاه، يخفي رجفة يده حتى لا يشعر أحفاده بالخوف.
تركنا ذكرياتنا بين الأشجار ورائحة الخبز التي كانت تتسلّل كل صباح إلى أنفي. تركنا كل شيء دون وداع حقيقي. وصلنا إلى مكان لا يشبه حارتنا ولا قريتنا… خيام بيضاء مصطفّة كالأشباح. في الليل جلسنا وكلّ واحدٍ منّا يخفي سؤالًا واحدًا داخله لم يجد له جوابًا: هل سنعود حقًا؟ أم أن الوطن والبيت أصبحا مجرّد رواية نرويها لأطفالنا قبل النوم؟
انتظار طويل على أملٍ لا أظنه سيأتي… في أول ليلة في الخيمة، شعرت أنّني شخص غريب عن نفسي السابقة. لا جدران، لا أبواب، فقط قماش هشّ يحاول أن يقنعنا بأنه “بيت”. جلستُ في ركن صغير، وضعت رأسي بين يدي وسألت نفسي: هل النزوح أن أفقد مكاني فقط؟ أم أن أفقد نفسي معه؟
اقرأ أيضًا: نقاط مساعدات أم مصائد موت؟ شهادات نساء خرجن من فم الموت
حلّ الصباح في أول يوم نزوح. نظرت إلى الشمس وهي تشرق، فإذا بها شمس غريبة، بلا دفء. أدركت حينها أنّ النزوح ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل انتقال من حياة كاملة إلى حياة ناقصة، لا تشبهني ولا أشبهها.
نموت في اليوم مرارًا: مرة من القهر، ومرة من الحنين، ومرة من نظرة الأطفال الجائعة، وأخيرًا – وليس آخرًا – من نظرة الذلّ التي أخذناها ممّن كنا نسمّيهم إخوتنا. ولا يبقى لنا إلا الأمل في كتاب ربنا حين قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾.