في زمنٍ تتكاثر فيه الجراح وتُختبر فيه الضمائر، نوجه رسائلنا وخطاباتنا إلى نساء الأمة لنرفع قضية الأسيرات الفلسطينيات في الصحف والأخبار والكتب والمنصات والمواقع والندوات والاحتفاليات، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل صرخة كرامة تُنتهك من جديد، إلى نساء الأمة، للأمهات والزوجات والأخوات والشابات، نوجه خطابنا من منصة بنفسج، التي تُعنى بالمرأة وحضورها، وتثبيت روايتها ونُسمع صوتها.
في هذا المقال تسليط الضوء على الأسيرات اللات أُعيد اعتقالهن بعد الصفقة التي أبرمتها المقاومة مع الاحتلال، في خرق فاضح لكل التعهدات، وفي استهتار واضح بمعنى العدالة والإنسانية، إذ تقبع الأسيرات في زنازين باردة وقاسية، في ظروف سيئة وطعام رديء وانعدام للعلاج الطبي وزيارات الأهل، وتشتد المحنة مع اقتراب الشهر الفضيل. وهن الأمهات والزوجات والأخوات والقاصرات وكبيرات السن وزوجات الأسرى والمناضلين والشهداء، أخوتنا وبناتنا الحرائر، اللات اعتُقلن مرة ومرتين، بتهم واهية باطلة تحت اسم التحريض.
يا حرائر الأمة، إن واجبنا تجاه الأسيرات ليس ترفًا أخلاقيًا ولا فعل تعاطف عابر، بل مسؤولية دينية وإنسانية وتاريخية. فكل امرأة تُهان في سجن، يُمس جزء من كرامتنا نحن، وكل أسيرة تُترك وحيدة في عزلها، يُختبر ضمير الأمة بأكملها. واجبنا أولًا أن نكسر الصمت. وأن نذكر أسماء الأسيرات، أن نحكي قصصهن لبناتنا، أن نُبقي قضيتهن حيّة في بيوتنا ومنصاتنا وكلماتنا. الصمت هو السجن الأكبر، والكلمة الصادقة باب للحرية.
واجبنا ثانيًا أن نناصرهن بالفعل، بدعم الحملات الحقوقية، بالمشاركة في المبادرات النسوية، بالضغط الإعلامي، وبكل وسيلة سلمية ترفع الظلم وتفضحه. لا تستهينّ بتغريدة، أو منشور، أو دعاء، فالتراكم يصنع الأثر. وفي رمضان، واجبنا أن نحملهن في الدعاء، في قيام الليل، وفي لحظات الإفطار. أن نستحضر وجوههن ونحن نجلس آمنات بين أهلنا، وأن نسأل الله لهن الفرج القريب، والحرية الكاملة، والشفاء والسلام.. من بين هؤلاء الأسيرات: بشرى الطويل، اليمامة هرينات، حنان البرغوثي، منى البرغوثي.
بشرى الطويل… الصحفية ابنة الشيخ المعتقل

بشرى الطويل صحفية وكاتبة وناشطة حقوقية فلسطينية، تُعدّ من الأصوات الصحافية البارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير في فلسطين. ولدت في البيرة في عام 1993، عملت الطويل مع شبكة أنين القيد الفلسطينية المُختصة في شؤون الأسرى والمعتقلين وحقوقهم وكانت ناطقة إعلامية باسمها.
والدها جمال الطويل كان رئيسًا لبلدية مدينة البيرة بين عامي 2006 و2012. أمضى والدها ما مجموعه 14 عامًا في الأسر على فترات عديدة، ووالدتها نحو العام بين فبراير 2010 وفبراير 2011. اعتقلت بشرى للمرة الأولى عندما كان عمرها 18 عامًا في 6 يوليو 2011، وحُكم عليها بالسجن لمدة 16 شهرًا، أمضت منها 5 شهور وخرجت بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار–شاليط) نهاية عام 2011.
في 2 يوليو 2014، أعاد الاحتلال الإسرائيلي اعتقالها لتستكمل ما تبقى من حكمها حتى خرجت في 17 مايو 2015. لاحقًا في 1 نوفمبر 2017، أُعيد اعتقالها وأُصدر بحقها أمرٌ بالاعتقال الإداري استمر ثمان شهور. اعتقلت في 11 ديسمبر 2019، وصدر بحقها أمر اعتقال إداري لمدة 4 شهور، جُدد مرة أخرى في مارس 2020 لمدة 4 شهور، ثم أمرت محكمة إسرائيلية بالإفراج عنها في 28 يوليو 2020.
اقرأ أيضًا: "جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون
في 8 نوفمبر 2020، اعتقلها الاحتلال الإسرائيلي على حاجز طيار "قُرب مستوطنة يتسهار" جنوب محافظة نابلس. وصدر بحقها أمر اعتقال إداري لمدة 4 شهور. ومُدد مرة أخرى حتى أُفرج عنها في 5 أكتوبر 2021. في 21 مارس 2022 اعتقلت جنوب نابلس، ولاحقًا أُفرج عنها في 11 ديسمبر 2022. واعتقلت في 27 أكتوبر 2023، ونتيجة لاتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل" الذي بدأ في 19 يناير 2025، أُفرج عنها ضمن المرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى في ساعات فجر يوم 20 يناير 2025. واعتقالها الأخير كان قبل ثلاثة أيام في 7 فبراير 2026.
عملت الطويل مع عدد من المنصات الإعلامية المحلية والدولية، وكتبت تقارير ومقالات تسلط الضوء على الواقع الفلسطيني من منظور إنساني وحقوقي، جامعٍ بين الدقة المهنية والالتزام الأخلاقي. كما شاركت في نشاطات وندوات حقوقية، وأسهمت في حملات تهدف إلى رفع الوعي الدولي حول سياسات القمع وانتهاك الحريات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
عُرفت بشرى بعملها الصحفي الميداني الذي يركّز على توثيق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، لا سيما ما يتعلق بقضايا الاعتقال السياسي، والأسرى، والاعتداءات على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. تمثل بشرى الطويل نموذجًا للصحفية الفلسطينية التي تجمع بين الكلمة والموقف، وتسعى من خلال عملها إلى نقل الصوت الفلسطيني إلى العالم، والدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية.
اليمامة هرينات… الاعتقال كأداة لكسر الروح

اليمامة إبراهيم حسن هرينات 19 ديسمبر 2002، من يطا/الخليل، طالبة غرافيك، أُعيد اعتقالها بعد الإفراج عنها، في سياق سياسة انتقامية ممنهجة. تحررت في صفقة التبادل الأخيرة في مطلع يناير 2025، ليُعاد اعتقالها مرة أخرى في سبتمبر 2025 بعد اقتحام منزلها في يطا. وقالت شقيقتها براءة في حوار سابق مع بنفسج أن اعتقالها كان صادمًا عليها وعلى أسرتها إذ تعرضت للترهيب ومنعها من ارتداء الحجاب، ثم التحقيق القاسي، وحُكم عليها إداريًا، أي ملف سري دون تهمة.
زجت في السجن كأخواتها ضمن ظروف قاسية، تشمل التفتيش المهين، العزل، الحرمان من الزيارة، وسوء الرعاية الطبية. اليمامة، كغيرها من الأسيرات، تواجه السجن لا فقط قيدًا جسديًا، بل حربًا نفسية تستهدف كرامتها وهويتها كامرأة فلسطينية.
حنان البرغوثي… استهداف رموز الصمود

الأسيرة حنان البرغوثي (60 عامًا)، "أم عناد"، اعتقلت المرة الأولى بعد مداهمة منزلها في بلدة كوبر شمال غرب رام الله دون معرفة الأسباب، رغم أنها تعاني من عدة أمراض مزمنة، كالضغط والسكري وتحتاج لرعاية صحية وقد أفرج عنها في صفقة التبادل بعد إمضائها تسعة أشهر قاسية. تنتمي حنان إلى عائلة مجاهدة، جلهم بين أسير وشهيد.
وهي أحد النماذج الصلبة التي اشتد عودها في عائلة لا تعرف الخضوع ولا الاستسلام، فهي شقيقة عميد الأسرى الفلسطينيين الأسير نائل البرغوثي، الذي أمضى في سجون الاحتلال أكثر من (43) عامًا. وشقيقة الأسير المحرر الراحل عمر البرغوثي "أبو عاصف" الذي قضى ما مجموعه 30 عامًا في السجون، بالإضافة إلى أنها والدة الأسيرين عبد الله وإسلام، وهما معتقلان إداريًا منذ عدة أشهر.
حنان التي عرفت طريق السجن وهي في عمر الثماني سنوات، حين كانت تزور أخوتها فيه، لم تضعف ولا يفتت ما عانته هي وعائلتها في عضدها، وظلت شامخة رافعة رأسها بأبنائها وزوجها المجاهد وعائلتها التي خطت عبر السنوات، سطورًا من النضال كتبت بماء الذهب. أعيد اعتقالها في مطلع أكتوبر 2025.
منى البرغوثي… ثمن كلمة الحق

أعيد اعتقال منى البرغوثي ونجلها همام في ذات الوقت، خلال اقتحام قرية عابود شمال غرب مدينة رام الله. تُعيد قصتها التأكيد على أن الاحتلال لا ينسى ولا يسامح، وأن الإفراج لا يعني نهاية الاستهداف. إعادة اعتقالها تأتي ضمن سياسة واضحة تهدف إلى كسر الرموز النسوية الفلسطينية، وإيصال رسالة بأن لا أمان حتى لمن خرجن من السجن. نذكر منى يوم قالت عندما حررتها المقاومة: "كل الشكر لدرة تاج الأمة أهالي غزة".
يا حرائرنا يا نساء الأمة، تعاني الأسيرات الفلسطينيات من ظروف احتجاز بالغة السوء، في زنازين ضيقة تفتقر للنظافة والتهوية، وإهمال طبي متعمد، وتفتيش عارٍ ومهين، وعزل انفرادي وعقوبات جماعية، وحرمان من الزيارات والتواصل مع العائلة. ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، ثم عيد الفطر، يتضاعف الوجع، ويتعمد الاحتلال إذلالهم في أبسط التفاصيل.
اقرأ أيضًا: شتاء الدامون: رسائل الأسيرات ينقلها المحامي حسن عبادي
يا نساء الأمة، وواجبنا تجاه الأسيرات مسؤولية لا تقبل التأجيل، قضية الأسيرات ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل قضية كل امرأة حرة. واجبنا تجاه بشرى، واليمامة، وحنان، ومنى، وتجاه كل أسيرة فلسطينية، تتمثل في كسر الصمت الحديث عن قضيتهن في البيوت، والمنابر، ووسائل التواصل، والضغط الإعلامي والحقوقي ودعم الحملات التي تطالب بالإفراج عنهن.
وكذلك الدعاء الصادق: خصوصًا في رمضان. وكذلك التوعية من خلال تعريف الأجيال بقصص الأسيرات ومعاناتهن، وهناك المساندة المعنوية عبر الرسائل والحملات التضامنية. يا نساءنا الحرائر، لا تتركن أسيراتنا وحدهن، ولا تجعلن زنازينهن بعيدة عن قلوبكن، فحرية الأسيرات، حرية كل امرأة… وهي وجه كرامة الأمة.

