في زمنٍ تتكاثر فيه محاولات الكسر، وتُستهدف فيه المرأة الفلسطينية بوصفها ذاكرةً حيّة، وهويةً متجذّرة، وسندًا لا ينكسر، نوجّه خطابنا إلى نساء الأمة، إلى الأمهات والحرائر، لنضع بين أيديكن حكايتين لا تُختصران في خبر، ولا تُطويهما العناوين، بل هما شهادة كرامة، ونداء واجب لا يسقط بالتقادم ولا يبرد مع الوقت.
نكتب عن الأسيرتين شاتيلا أبو عيادة وآية الخطيب، لا كرقمين في لوائح الأسرى، ولا كأسماء عابرة في بيانات الحقوقيين، بل كقصتين نابضتين بالإنسانية، امرأتين حملتا وجع السجن على أكتافهما، ووزعتا الصبر والأمل على غيرهما، فيما تنتظران الحرية بقلوبٍ ثابتة، لم تساوم، ولم تنكسر، ولم تفقد إيمانها بالفرج.
تبرز قصة كل من شاتيلا أبو عيادة وآية الخطيب بوصفهما أقدم أسيرتين فلسطينيتين ما زلن خلف القضبان حتى هذه اللحظة، إذ لم يُفرج عنهما في أي صفقة تبادل سابقة، رغم ما شهدته السنوات الماضية من عمليات تبادل واسعة. ليبقيا شاهدتين حيّتين على سياسة انتقائية قاسية يمارسها الاحتلال، تتعمد إبقاء بعض النساء في الظل، وكأن الزمن توقف عند اسميهما، وكأن الحرية لا تمر من زنازينهما..!
شاتيلا أبو عيادة.. الأسيرة التي صارت أمًّا للزنازين

منذ اعتقالها في الثالث من نيسان/أبريل 2016، تعيش شاتيلا أبو عيادة رحلة قاسية في سجون الاحتلال، بعد أن حُكم عليها بالسجن 16 عامًا. جاءت من كفر قاسم، طالبة علم نفس، تحمل مشروع علم ومعرفة، فحوّلها السجن قسرًا إلى مدرسة، ورفيقة، وأمٍ للأسيرات، ومساحة أمان داخل الجدران الباردة.
عشر سنوات من التنكيل والتحقيق والعزل والسجن، لم تنل من روحها، ولم تُطفئ نورها الداخلي. حفظت القرآن الكريم كاملًا، تبدأ يومها قبل الفجر، تصنع من الوقت القاسي طاعةً ونظامًا وحياة، وتحوّل الساعات الثقيلة إلى معنى. تستقبل الأسيرات الجدد، تبثّ فيهن الطمأنينة، وتزرع الأمل في قلوب المرتبكات، وتودّع الخارجات بالأهازيج الشعبية، مبتسمة، مطمئنة، مرددة رسالتها المعهودة لأهلها: "أنا قوية، ما تقلقوا علي".
اقرأ أيضًا: إلى نساء الأمة… الأسيرات الفلسطينيات وجع يتجدد وواجب لا يسقط
كانت شاتيلا ثروة معرفية داخل السجن، إذ تحفظ الشعر والكتب عن ظهر قلب، تلخص الروايات، وتنقل المعرفة للأسيرات، وتعلّمهن اللغة العبرية، وتشاركهن جلسات التفسير والتجويد. وفي زنازين تفتقر لأبسط مقومات الإنسانية، خلقت نظامًا، ونظافة، ودفئًا، متحدية القلة، والبرد، والقهر، ومحوّلة الزنزانة إلى مساحة حياة لا إلى انتظار موت.
انقطعت أخبار أهلها عنها بعد العدوان على غزة في أكتوبر 2023، وحُرمت من زيارة المحامين، واشتد عليها القلق، ومع ذلك بقيت متمسكة باليقين. تفرح لحرية غيرها أكثر مما تحزن لتأجيل حريتها، وتوصي الخارجات بشكر المقاومة، مؤكدة أن لا يوم في الأسر إلا وقد كُتب بإرادة الله، وأن الفرج حين يأتي، يأتي كاملًا.
آية الخطيب.. أمّ المساكين وملاذ القلوب

أما آية الخطيب، أم لطفلين، من عرعرة في الداخل المحتل، دخلت السجن عام 2020 بتهمة “تمويل الإرهاب”، لأن قلبها اختار أن يكون مع المرضى والمحتاجين، ولأن يدها امتدت بالعطاء حيث يغيب العدل. حُكم عليها بالسجن أربع سنوات، لكنها آثرت تأجيل تنفيذ جزء من الحكم، واختارت حبسًا منزليًا مشددًا وقاسيًا، فقط لتبقى قريبة من طفليها، حتى كبرا قليلًا، ثم ودعتهما، ومضت إلى السجن والمعاناة بقلب أمٍ يعرف معنى الفراق.
اقرأ أيضًا: نساء حول الأقصى: مرابطات في مواجهة الاحتلال
تصفها الأسيرات بـ"أمّ المساكين"، المرجعية الحكيمة، الحضن الحنون، والملاذ الآمن في لحظات الانكسار. كانت تخفي وجعها لتجبر خواطر غيرها، وتشتري حاجيات الأسيرات من كانتينتها (قبل طوفان الأقصى)، وتوصي زوجها أن يملأها دائمًا، كي لا ينقص شيء على "بناتها" داخل الأسر.
حين كانت تشتاق لطفليها، محمد الفاتح وعبد الرحمن، تبوح بهدوء، بلا شكوى ولا تذمر. حلمها بسيط وعميق: أن تعود إلى البيت، تعوّض أبناءها عن سنين الفراق، تحكي لهم قصص الأنبياء قبل النوم، وتسافر معهم لترى العالم الذي حُرمت منه خلف القضبان.
منعت عائلتها من زيارتها منذ أكتوبر 2023، ولم ترَ أبناءها إلا عبر شاشة محكمة، دون صوت، ودون حضن. ومع ذلك بقيت ثابتة، مسلّمة، محتسبة، توقن أن الحرية آتية، ولو بعد حين، وأن الله لا يضيّع دمعة أمٍ ولا صبرها.
يا نساء الأمة: الواجب أن نكسر الصمت

يا حرائر أمتنا.. هذا واجبكن.. شاتيلا وآية ليستا استثناءً..! هما وجهان من وجوه عشرات الأسيرات الفلسطينيات اللواتي يعشن ظروفًا بالغة القسوة: زنازين ضيقة، إهمال طبي متعمد، تفتيش مهين، حرمان من الزيارة، وعزل نفسي وجسدي ممنهج. ومع اقتراب شهر رمضان والأعياد، يتضاعف الألم، ويتعمد الاحتلال كسر الروح في أدق التفاصيل.
يا نساء الأمة، واجبنا تجاه الأسيرات ليس تعاطفًا عابرًا، ولا موسميًا، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية وتاريخية. واجبنا أن نكسر الصمت، أن نذكر أسماءهن، أن نحكي قصص شاتيلا وآية لبناتنا وأبنائنا، أن نُبقي قضيتهن حيّة في بيوتنا ومنصاتنا وكلماتنا. واجبنا أن نناصرهن بالفعل: بالكلمة الصادقة، بالحملات، بالضغط الإعلامي والحقوقي، وبالدعاء الصادق، خصوصًا في رمضان، حين تُرفع الأكف، وتُفتح أبواب السماء. لا تتركوا أسيراتنا وحدهن، فحرية شاتيلا وآية، من حرية كل امرأة، ووجهٌ من وجوه كرامة الأمة.

