بنفسج

رسالة إلى الأمة: الأقصى أمانة التاريخ ونداء المرابطات

الثلاثاء 10 مارس

المرابطات المقدسيات في القدس
المرابطات المقدسيات في القدس

إلى الأمة التي تحمل في ذاكرتها تاريخ الأقصى، وإلى القلوب التي ما زالت ترى فيه قبلة الروح وموطن الإيمان… نوجه هذه الرسالة في شهر رمضان، الشهر الذي كان عبر التاريخ زمنًا للانتصارات واليقظة الروحية، لكنه عند كثير من أبناء القدس، وخصوصًا المرابطات المبعدات عن المسجد الأقصى، صار زمنًا آخر يختلط فيه الصبر بالحزن، والحنين بالألم في الوقت الذي يُمنع فيه دخول المصلين إلى المسجد الأقصى لليوم الرابع على التوالي. 

ليس المسجد الأقصى مجرد مكان للصلاة، بل كان على الدوام شاهدًا على تاريخ الأمة وضميرها الحي. في ساحاته سجد الأنبياء، ومنه عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وفي باحاته كتب المقدسيون صفحات طويلة من الرباط والصبر. لذلك فإن كل ما يحدث اليوم حول الأقصى ليس مجرد إجراءات احتلالية عابرة، بل محاولة لقطع الصلة بين الإنسان ومقدساته، وبين الأمة وذاكرتها التاريخية.

في القدس اليوم نساء مبعدات عن الأقصى بقرارات احتلالية، لا لشيء إلا لأنهن أحببن المسجد وأردن أن يكنّ جزءًا من حياته اليومية. هؤلاء النساء لا يعشن فقط ألم البعد الجسدي عن الأقصى، بل يعشن شعورًا مزدوجًا: حزن الغياب، وحنين الروح إلى المكان الذي ربطهن بإيمانهن وهويتهن.

خديجة خويص: المنع المرير

 

تقول خديجة إن أصعب ما قد يقاسيه المقدسي هو الإبعاد عن الأقصى، لأن رمضان بالنسبة لهم كان دائمًا موعدًا ينتظرونه طوال العام ليقضوه في رحاب المسجد. وها هي اليوم تعيش رمضان بعيدًا عنه، رغم أن بيتها لا يبعد سوى أقل من كيلومتر واحد عن بواباته.

خديجة خويص، المرابطة المقدسية، تعيش رمضان هذا العام وهي ممنوعة من دخول الأقصى بقرار احتلالي يمتد لستة أشهر. قد يبدو الرقم في نص القرار مجرد مدة زمنية عابرة، لكنه في حياة المرابطين زمن ثقيل، لأن رمضان في الأقصى ليس كأي رمضان آخر. هو موسم للرباط، ومجالس الذكر، وحلقات القرآن، وصلاة الفجر التي تتفتح معها قلوب المؤمنين في باحات المسجد.

تقول خديجة إن أصعب ما قد يقاسيه المقدسي هو الإبعاد عن الأقصى، لأن رمضان بالنسبة لهم كان دائمًا موعدًا ينتظرونه طوال العام ليقضوه في رحاب المسجد. وها هي اليوم تعيش رمضان بعيدًا عنه، رغم أن بيتها لا يبعد سوى أقل من كيلومتر واحد عن بواباته.

لكن رسالتها للأمة ليست رسالة يأس، بل رسالة صبر؛ فهي تقول إن الإبعاد ضريبة حب الأقصى، وإن كانت الأجساد ممنوعة من الوصول إليه فإن الأرواح لا تتوقف عن الطواف في رحابه.

هنادي حلواني: مرارة الإبعاد

أما هنادي حلواني، فهي تعيش تجربة الإبعاد منذ أكثر من أحد عشر عامًا. أحد عشر رمضانًا مرّ عليها وهي بعيدة عن الباحات التي صنعت فيها أجمل ذكرياتها، حين كانت تجلس في مصاطب العلم وتشارك في حلقات القرآن وتبقى في الأقصى منذ الصباح حتى الإفطار وصلاة التراويح.

تقول إن رمضان في الأقصى حياة من الجنة، لكن الفراق عنه مرّ وقاسٍ، خاصة حين ترى أبناءها يعيشون تحت قيود الاحتلال أيضًا. حتى ابنها الذي حاول أن يدخل الأقصى حاملاً إفطاره في بداية رمضان، مُنع من الدخول، وكأن الاحتلال يريد أن يجعل من كل محاولة للارتباط بالأقصى تجربة قهر جديدة.

أما هنادي حلواني، فهي تعيش تجربة الإبعاد منذ أكثر من أحد عشر عامًا. أحد عشر رمضانًا مرّ عليها وهي بعيدة عن الباحات التي صنعت فيها أجمل ذكرياتها، حين كانت تجلس في مصاطب العلم وتشارك في حلقات القرآن وتبقى في الأقصى منذ الصباح حتى الإفطار وصلاة التراويح.

تقول إن رمضان في الأقصى حياة من الجنة، لكن الفراق عنه مرّ وقاسٍ، خاصة حين ترى أبناءها يعيشون تحت قيود الاحتلال أيضًا.
حتى ابنها الذي حاول أن يدخل الأقصى حاملاً إفطاره في بداية رمضان، مُنع من الدخول، وكأن الاحتلال يريد أن يجعل من كل محاولة للارتباط بالأقصى تجربة قهر جديدة.

ورغم كل ذلك، تقول هنادي إن أكثر ما يؤلمها اليوم ليس فقط الإبعاد، بل منعها حتى من الصلاة على أبواب المسجد الأقصى بعد حرب الإبادة في غزة، وكأن الاحتلال يسعى إلى تضييق الدائرة أكثر فأكثر حول المقدسيين ومقدساتهم.

عايدة صيدواي: جارة الأقصى

عايدة صيداوي.webp

وفي بيت يطل على الأقصى، قرب باب الحديد، تعيش عايدة الصيداوي التي حملت لقب “جارة الأقصى” منذ أن تزوجت في القدس قبل عقود طويلة. لكن القرب من الأقصى لم يمنع الاحتلال من إبعادها عنه أيضًا. تروي عايدة كيف تعرضت للاعتقال والتحقيق والتنكيل، ثم صدر بحقها قرار إبعاد عن المسجد لمدة ستة أشهر.

تقول إنها تعيش غصة يومية لأنها ترى الأقصى أمامها، ولا يفصلها عنه سوى دقائق قليلة، لكنها لا تستطيع الدخول إليه للصلاة أو الجلوس في حلقات القرآن كما اعتادت طوال حياتها. ومع ذلك، فإنها حين ترى الوفود تتجه إلى الأقصى تشعر بالفرح، لأن حضور الناس إلى المسجد يذكرها بأن الأقصى ما زال حيًا في قلوب المسلمين.

هذه الحكايات ليست مجرد شهادات شخصية لنساء مبعدات، بل هي رسالة تاريخية إلى الأمة كلها. الأقصى اليوم لا يحتاج فقط إلى الدموع أو التعاطف، بل يحتاج إلى وعي عميق بمكانته في تاريخنا وهويتنا. إن الدفاع عن الأقصى ليس واجب أهل القدس وحدهم، بل هو أمانة في أعناق الأمة كلها. فالمرابطات اللواتي يبعدن عن الأقصى لا يحملن قضيتهن وحدهن، بل يحملن جزءًا من مسؤولية الأمة، ويدفعن ثمن تمسكهن بمقدس يشكل جزءًا من عقيدتنا وتاريخنا.


اقرأ أيضًا: رمضان وأسئلة العبادة: فقه الصيام في زمن الإبادة


وربما كان أكثر ما يخشاه الاحتلال ليس وجود هؤلاء النساء في باحات الأقصى، بل حضورهن في الوعي الجمعي للأمة. لذلك يسعى إلى إبعادهن جسديًا عن المسجد، وإلى تحويل قصصهن إلى أخبار عابرة لا تترك أثرًا في الضمير العام. لكن الأقصى، عبر تاريخه الطويل، علمنا أن المكان لا يعيش بالحجارة فقط، بل بالقلوب التي تحبه وتحرسه.

واليوم، بينما تصوم المرابطات عن الوصول إلى المسجد، فإن واجب الأمة أن لا تصوم عن قضيته، ولا تغيب عن وعيها مسؤوليته. هذه رسالة إليكم: أن تتذكروا أن الأقصى ليس مجرد خبر في نشرات الأخبار، بل أمانة تاريخية وروحية. وأن المرابطات اللواتي يبعدن عنه اليوم يذكرننا كل يوم بأن حماية المقدسات ليست شعارًا، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية. سيبقى الأقصى حيًا في قلوب أهله، وسيبقى المقدسيون أوفياء له رغم الإبعاد والتنكيل.