الكثير من آثار القيود تبقى لصيقة بوجدان الأسرى والأسيرات المحررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي لسنوات طويلة. ويُعتبر التفتيش العاري بحق الأسيرات الفلسطينيات أحد أبرز أشكال الإذلال والأكثر وجعًا، لأنه يمس روح الكرامة والإنسانية في أكثر المناطق خصوصية، مما يحوّل الجسد إلى ساحة حرب لا تقل أهمية عن أساليب التعذيب الجسدي الأخرى.
يعتبر الاحتلال الجسد، في منظومته الاستعمارية، مادةً تخضع للسيطرة الأمنية، ويستخدم التفتيش العاري كأحد إجراءات الاعتقال، بهدف كسر الإرادة وإيصال رسالة مضمونها أن الاحتلال قادر على انتهاك كل الحدود، حتى الخاصة منها. ولأن فلسفة الجسد عند المسلم العربي ترتبط بالكرامة، ويُعد صونه جزءًا من الهوية الشخصية والوطنية والدينية، فإن التفتيش العاري يُعتبر من أكثر الإجراءات إيذاءً للنفسية، ويخلّف جرحًا عميقًا يمس هذا العمق الفلسفي.
تبدأ محاكاة فكرية بين الأسيرة وذاتها: «كيف لي أن أتجرد من ملابسي وأنا لم يسبق لي أن تجردت أمام أمي؟» ثم: «حيائي وديني وتربيتي تمنعني من هذا الفعل». تحاول رفض الأمر، مصرّحة بأنها لا تخفي ما هو ممنوع، لتقابل بالصراخ والتهديد بالكلاب أو الصعق بجهاز الكهرباء أو إدخال الرجال.
يُنتهك جسد الأسيرة منذ اللحظة الأولى لاعتقالها، حين تبدأ نظرات جنود الاحتلال بغزو جسد الفتاة من رأسها حتى أخمص قدميها. وقد يأمر قائد كتيبة الاعتقال بتفتيش الأسيرة عاريًا في مكان اعتقالها، أكان منزلًا أو حاجزًا أو مكانًا آخر، فتتعرض لصدمة مباشرة تشل تفكيرها، لا سيما أن أمر التفتيش يرافقه في كثير من الأحيان حالة من الفوضى والصراخ المتواصل.
تمتثل الأسيرة للأمر، والذي يكون في كثير من الأحيان تفتيشًا جزئيًا، حتى يتم نقلها إلى الجيب العسكري، فتبدأ رحلتها وحيدة وسط وحوش مصلحة السجون الإسرائيلية. وما إن تصل إلى مركز التوقيف حتى يصدر أمر آخر بجولة تفتيش دقيقة، ما يعرضها لصدمة أعمق، فالتفتيش هذه المرة يكون أدق وأشرس مما سبق.
لحظة وصول الأسيرة إلى مركز التوقيف، مقيدة اليدين والقدمين، تدخل إلى غرفة فارغة من كل شيء، تقود إلى مكتب مليء بالرجال، وتتوسط الغرفة سجّانة إسرائيلية، تظنها للوهلة الأولى أنثى، حتى تفترس نظراتها جسد الأسيرة وتأمرها بالتجرد من كافة ملابسها. تبدأ محاكاة فكرية بين الأسيرة وذاتها: «كيف لي أن أتجرد من ملابسي وأنا لم يسبق لي أن تجردت أمام أمي؟» ثم: «حيائي وديني وتربيتي تمنعني من هذا الفعل». تحاول رفض الأمر، مصرّحة بأنها لا تخفي ما هو ممنوع، لتقابل بالصراخ والتهديد بالكلاب أو الصعق بجهاز الكهرباء أو إدخال الرجال.
ولأن كل أسيرة ترجع إلى بيئة دينية محافظة، ستقف أمام خيارين لا ثالث لهما: الامتثال للتفتيش العاري بكل طواعية تجنبًا للعواقب، أو معارضة القرار والتعرض للتفتيش الإجباري. في الخيار الأول، تنزع الأسيرة ملابسها قطعة تلو الأخرى، دون السماح لها بأن تغطي جزءًا وتعرّي الآخر. تبتلع ريقها في الدقيقة ألف مرة، والعرق يتصبب من كل مكان، ومحاولات طلب تخفيف الأمر تبوء بالفشل.
تقف عارية بشكل كامل، ثم يُطلب منها الاستدارة 360 درجة، ومع كل محاولة لتغطية ثدييها أو عورتها بيديها، يأتي الصراخ والتهديد لإجبارها على الرضوخ. ثم يقع على مسمعها أمر جديد تتمنى أن تموت حين سماعه، ويتمثل بطلب الجلوس جلسة القرفصاء وفتح كلتا قدميها، لتنظر السجانة بشكل دقيق إلى كل جزء، وتحتل بنظراتها جسدها بالكامل، وتعلن الانتهاك دون أية رأفة.
حالة من الذهول تصيب الأسيرة؛ فجسدها أغلى ما تملك، وتربيتها ودينها وضعا المساس به في خانة المحرمات. ورغم كل ذلك، تبقى صامدة وترتدي ملابسها حتى يُزج بها في زنزانة مغلقة تحت الأرض. حينها قد تذرف الدموع، وكلما هربت بتفكيرها لتمسح ما علق في ذاكرتها، تجبرها الزنزانة على استحضار المشهد من جديد.
أما الخيار الثاني، فيتمثل برفض الأسيرة الامتثال للتفتيش العاري ومقابلة الصراخ والشتم بالمثل، مفجرة جل غضبها بسجاني مصلحة السجون، مستحضرة كل الظلم الذي ظُلم به شعبها، وسلب أرضه، والشهداء والجرحى والأسرى، وكل الكره الذي ورثته عن أجدادها. لكن كل هذا لا يشفع لها أمام عدو يريد احتلال جسدها كما احتل وطنها. وليس سهلًا وصف المشهد الوحشي الذي تتعرض له الأسيرة عقابًا لرفضها التفتيش العاري الطوعي؛ فالمشهد تتخلله مهاجمة قوة من السجانين الرجال والنساء، برفقة كلب بوليسي وجهاز صعق كهربائي.
اقرأ أيضًا: والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"
وتبدأ حفلة الضرب والصراخ والعواء. لا تدري أين تنظر أو على ماذا تركز. وما إن تستجمع قواها حتى تتعرض لصعقة كهربائية تشل حركتها، وعيونها شاخصة على كلب يسيل الزبد من فمه، يتعطش لنهشها. تُمزق ملابسها مع الضرب والإهانة، لتتكوم على الأرض عارية، فتضم جسدها بيديها في محاولة لستر ما يمكن، ولكن دون جدوى.
كل ذلك قد يرافقه تهديد بالاغتصاب، ولربما تحرش متعمد، لكنها تقاوم وتقاتل وحدها حتى تُلقى على أرض زنزانة التوقيف مجردة، والدم والرضوض تملأ جسدها. لا يتوقف التفتيش العاري على زنزانة التوقيف، بل يمتد ليصل إلى تفاصيل الحياة الاعتقالية، حيث يُمارس بشكل فجائي على غرف وأقسام كاملة. فالتفتيش العاري قد يكون فرديًا أو جماعيًا، ويُمارس بحق شخصيات معينة من الأسرى تقع في دائرة شبهة إدارة السجن، أو قبل زيارة الأهل أو المحامي، بادعاء الحفاظ على الأمن.
قد يظن البعض أن الآثار النفسية للتفتيش العاري تزول بمجرد تحرر الأسيرة من الأسر، تاركة خلفها كل ما يذكرها بهذا المشهد، ولكن شهادة العديد من الأسيرات المحررات تثبت عكس ذلك. فغالبية الأسيرات يجمعن على أن أثره يمتد إلى ما بعد الحرية؛ فتراها تفزع من نومها بشكل مفاجئ، وترى الكوابيس المرعبة، وتضع حدودًا أمام أقرب الأشخاص من الجنس الآخر، وتبتعد عن سردية المشهد بشكل علني، وتشعر بالاختناق عند تذكره. وبالمقابل، نرى العديد من الأسيرات المحررات يتخطين هذه الآثار، رغم وجودها، ويحوّلنها إلى حالة تحدٍ وصمود، ليؤكدن أن الجسد قد يُنتهك، أما الإرادة فلا تُحتل.

