لم تكن هناء طحاينة تعرف، وهي تُقتاد من منزلها عند الثالثة فجرًا، أن صورةً أخرى لها ستظهر بعد أسابيع أمام الكاميرا، لا في بيتها وبين أبنائها الستة، ولا في مدرستها وروضتها حيث اعتادت أن تكون في مواقع القيادة، بل خلف قضبان سجن الدامون، محاطةً بجدران السجن، يقف أمامها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، محاطًا بالحرس والشرطة، ويسألها شامتًا مختالًا عن ظروف احتجازها.
في تلك اللحظة، لم تكن هناء امرأةً تتحدث من موقع قوة، ولا أسيرةً تملك رفاهية الاعتراض أو الانسحاب من المشهد. كانت امرأةً محتجزة في مكان مغلق، تعاني ظروفًا قاسية وأمراضًا مزمنة، فيما كانت الكاميرا حاضرة لتلتقط مشهدًا مقتطعًا من واقعها وتخرجه إلى العلن.
مقصلة الاعتقال الإداري

انتشر الفيديو الذي ظهر فيه بن غفير داخل أقسام الأسيرات في سجن الدامون في أواخر آب/أغسطس، بعدما نشره بنفسه عبر حساباته، وظهر خلاله وهو يتحدث إلى أسيرات عن ظروف احتجازهن، قبل أن يفاخر بتقليص ظروف اعتقال الأسرى إلى "الحد الأدنى". وبحسب ما ظهر في الفيديو، تحدثت إحدى الأسيرات عن سوء الأوضاع، وعدم الاستحمام لعدة أيام، وعدم تبديل الملابس الداخلية، وانتشار الأمراض وغياب العلاج. هنا نوثق قصة الأسيرة هناء طحاينة.
في الثامن من حزيران/يونيو 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل هناء في ساعات الفجر. كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا عندما حاصرت القوات المنزل، وجمعت أفراد العائلة في الداخل، قبل أن تقتاد هناء معتقلة. وبحسب إفادة هناء لمحامية هيئة شؤون الأسرى، حُرمت من توديع أطفالها الستة، وقُيدت وعُصبت عيناها، ثم اقتيدت سيرًا على الأقدام لمسافة طويلة، بقصد التنكيل بها، رغم إمكانية وصول الآليات العسكرية إلى محيط المنزل.
اقرأ أيضًا: ثاني أقدم أسيرة: ميسر هديبات تكمل عامها الثاني في السجون
أما عائلتها، فتروي تفاصيل أشد وطأة. كان أبناء هناء قد طلبوا من الجنود السماح لهم بتوديع والدتهم، لكن إحدى المجندات رفعت السلاح في وجههم ومنعتهم من الاقتراب منها. تقول العائلة إن القيود شُدت على يدي هناء بصورة قاسية، وإنها طلبت تخفيفها، إلا أن طلبها لم يُستجب. ثم اقتيدت وهي معصوبة العينين سيرًا إلى منطقة بعيدة عن منزلها، قبل نقلها إلى سجن هشارون.
وفي هشارون، بقيت هناء لساعات في غرفة صغيرة تشبه المخزن، وهي مقيدة ومعصوبة العينين، ومُنعت من استخدام دورة المياه، قبل أن تتعرض، للإهانات والشتائم والتفتيش العاري والضرب والجر، والإمساك برأسها بعنف وإنزاله نحو الأرض. تلك اللحظات لم تكن مجرد بداية لاعتقال جديد، كانت لحظة اقتلاع أم من بيتها، وترك ستة أبناء خلفها.
إذلال متعمد

هناء ليست امرأةً بعيدة عن تجربة الأسر بمفهومها العام. هي زوجة الأسير المحرر شريف طحاينة، الذي أمضى سنوات في سجون الاحتلال، وعاشت طوال سنوات زواجها آثار الأسر من موقع الزوجة والأم. وعندما اعتُقلت هناء، كان أبناؤها الستة يعرفون السجن من جهة أخرى: جهة الأب. ولهذا، لم يكن الاعتقال حدثًا وقع على هناء وحدها؛ في الخارج، بقي أبناؤها، وفي الداخل، بدأت هي رحلة أخرى من الأسر.
حُولت هناء إلى الاعتقال الإداري بعد اعتقالها بأيام. هناء، البالغة 49 عامًا، من مدينة جنين، ربة منزل، وأم لستة أبناء، وعملت سابقًا مديرة مدرسة وروضة. خلف هذه السيرة، تقف اليوم امرأة في غرفة من غرف الدامون، تتقاسم المساحة مع أسيرات أخريات، وتنتظر نهاية اعتقال إداري لا يضع لها يقينًا واضحًا بشأن موعد الخروج.
تعاني هناء طحاينة من الشقيقة، والروماتيزم، والقولون العصبي، ودوالي الساقين المصحوبة بآلام مستمرة، فيما رفضت إدارة السجن إعطاءها العلاج اللازم، أو حتى مسكنًا، رغم شكواها من الألم. وتضيف عائلتها أنها أُصيبت داخل السجن بعدوى السكابيوس، ولم تتلقَّ العلاج اللازم له أيضًا.
اقرأ أيضًا: 85 محاكمة في 6 سنوات.. والمؤبد يلاحق الأسير نظمي أبو بكر
ولا تأتي هذه الشهادة في فراغ، فقد وثقت هيئة شؤون الأسرى في آب انتشار السكابيوس بين غالبية الأسيرات في الدامون، مع وجود حالات وصفت بالصعبة، وتخصيص غرفة للعزل، وسط نقص في مواد التنظيف والرطوبة وغياب التهوية الكافية. وفي زيارة هناء الأخيرة، التي جرت في 31 آب/أغسطس 2026، كانت في قسم الأسيرات، الغرفة التاسعة، إلى جانب أسيرات أخريات.
أما عن طعامها، بحسب تقرير الزيارة: حمص، وسبع قطع من الخبز، وملعقة لبن وملعقة مربى، والطعام بلا ملح أو بهارات. والفورة والحمام عند الخامسة والنصف صباحًا، من دون رؤية للشمس، ووقت لا يكفي لاستحمام جميع الأسيرات. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى كاميرا بن غفير حتى تؤثر في العالم، فهذه التفاصيل ذاتها التي نقلتها عشرات الأسيرات منذ بداية الحرب عام 2023.
منع العلاج دعاية انتخابية

في أواخر آب، دخل بن غفير إلى أقسام الأسيرات في الدامون، ونُشرت المشاهد التي ظهر فيها أمام ثلاث أسيرات. كان الوزير محاطًا بالحرس والشرطة، ولاحقًا تبين أن أفرادًا من عائلته كانوا برفقته، فيما كانت الأسيرات في الجهة الأخرى من المشهد.
سأل عن ظروفهن، فوصفت إحدى الأسيرات الأوضاع بأنها سيئة للغاية، وتحدثت عن القمع ليلًا ونهارًا، وعدم الاستحمام لثلاثة أيام، وعدم تغيير الملابس الداخلية، وانتشار الأمراض وعدم تلقي العلاج.
ظهر بن غفير متفاخرًا بأنه المسؤول عن هذه المعاناة، حيث خفض ظروف احتجاز الأسرى إلى أدنى مستوى، مؤكدًا استمراره في هذه السياسة. كما سبق أن ظهر في مقاطع أخرى وهو يسخر من شكاوى الأسرى والأسيرات، مرددًا أن السجن "ليس فندقًا".
اقرأ أيضًا: الأسير فتحي الخطيب: مسن قضى 24 عامًا في السجون ولا يزال
وهنا، بالنسبة إلى عائلة هناء، يصبح المشهد أكثر قسوة. قالت العائلة لـبنفـسج، إن مشاهدة الفيديو كانت صعبة وقاسية جدًا عليهم، لا بسبب ظهور هناء وحدها، وإنما بسبب الظروف التي ظهرت فيها الأسيرات: احتياجات أساسية غير متوفرة، وغياب الخصوصية، وواقع لا يراعي احتياجاتهن كنساء.
وترى العائلة أن ما زاد المشهد قسوة هو المفارقة بين الطرفين: أسيرات في ظروف احتجاز صعبة، ووزير يقف أمامهن محاطًا بالحرس والشرطة وبعض أفراد عائلته، ثم يسألهن عن ظروف الاعتقال، في الوقت الذي ترى فيه العائلة أنه المسؤول عن السياسات التي قادت إلى هذه الظروف.
وأضافت العائلة أن أحدًا لا يطالب بأن تكون السجون فنادق، فالأسيرات يطلبن ما أقرته القوانين والشرائع، وتوصيات المحكمة العليا للاحتلال الإسرائيلي. وكان قد استنكر نادي الأسير الفلسطيني نشر الفيديو، معتبرًا ظهور بن غفير داخل قسم الأسيرات وتصويرهن ونشر المشاهد اعتداءً على كرامتهن الإنسانية، وقال إن إصراره على نشر مثل هذه المقاطع يكشف عن دور تحريضي ودعائي.
نيل من كرامتهن

أما حقيقة الأمر، فالمشهد يأخذ سياقًا سياسيًا أوسع، إذ يوظف بن غفير ملف الأسرى والأسيرات في خطابه السياسي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وهنا تلتقي الصورة التي رآها العالم مع الصورة التي لا تظهرها الكاميرا. الكاميرا أظهرت بن غفير وهو يدخل الغرفة، لكنها لم تُظهر هناء وهي تُقتاد معصوبة العينين في الثالثة فجرًا.
لم تُظهر يديها وهما مقيدتان بشدة. لم تُظهر أبناءها الستة وهم يحاولون توديع أمهم، ولا المجندة وهي ترفع السلاح في وجههم وتهددهم. لم تُظهر الساعات التي قضتها في غرفة تشبه القبر، ولا منعها من استخدام دورة المياه. ولم تُظهر هناء وهي تعيش الآن مع الألم والمرض والسكابيوس، وسط طعام محدود وملابس شحيحة ووقت ضيق للاستحمام.
تقول العائلة لبنفـسج إن رسالتها ليست إلى بن غفير وحده، بل إلى المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية، مطالبةً بالتدخل لوقف ما تصفه بالعدوان على الأسيرات، ومؤكدة ضرورة عدم ترك معاناتهن تتحول إلى مادة للدعاية السياسية والانتخابية.
اقرأ أيضًا: والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"
وتضيف العائلة أن ما ظهر في الفيديو لا يمكن فصله عن واقع الأسيرات خلف الجدران، وأن المطلوب ليس تصوير المعاناة والتفاخر بها، وإنما وقفها. فهناء ليست وجهًا عابرًا في مقطع مصوّر، خلف وجهها أمٌّ حُرمت من وداع أبنائها، وامرأةٌ اقتُلعت من بيتها فجرًا، وأسيرةٌ تحمل المرض في جسدها، وتواجه الاعتقال الإداري وظروف السجن القاسية.
والحقيقة أنه لم تبدأ قصة هناء من اللحظة التي ظهرت فيها أمام العدسة، قصتها بدأت قبل ذلك بكثير، منذ اللحظة التي أُغلقت فيها أبواب بيتها عليها، وانتهى بها الطريق إلى الدامون. هناك، خلف الأبواب المغلقة، لا تزال هناء تنتظر، وتبقى ستة قلوب في الخارج تنتظر.

