هناك معلّمون يشرحون الدرس، وتنتهي الحصّة، وينتهي معها كل شيء. يؤدّون ما عليهم، يشرحون المنهج، يتابعون الواجبات، ثم يمضون. وهذا عملٌ يستحق التقدير، لكن هناك معلّمين آخرين لا تنتهي مهمّتهم بانتهاء الحصّة، لأن أثرهم يمتدّ إلى ما هو أبعد من الكتاب والدفتر.
هم أولئك الذين لا يعلّمونك دروس المنهج فقط، بل يعلّمونك شيئًا عن الحياة، وعن الإيمان، والعطاء، والحب، والإنسانية. أولئك الذين قد يصبحون لك أصدقاء، وأهل، وكنوز التي لا غنى عنها. والأجمل أنهم قد يرون فيك شيئًا لا تراه أنت في نفسك، ويؤمنون بك قبل أن تصل، ويقفون إلى جانبك حتى تثبت لهم أنك كنت تستحق ذلك الإيمان.
ومن بين هؤلاء، كانت هناك معلّمة حالفني الحظ أن تكون واحدة منهم، بل أكثر من ذلك بكثير. كانت معلّمتي منذ الصف الثامن، وما زالت تؤمن بي وأنا اليوم مقبلة على الصف الحادي عشر. في ذلك الوقت، كانت الحرب مشتعلة، وكانت الظروف لا تسمح لي بأن أتابع كل حصّة كما ينبغي، أو أن أسمع صوتها كل يوم، أو أن أعيش عامًا دراسيًا طبيعيًا كما كنت أتمنى. لكنني، رغم كل شيء، لم أكن أريد أن أسمح للظروف بأن تحرمني دراستي وطموحي.
كنت أتواصل مع معلمتي كلما استطعت، وكانت هي ترشدني وتبلغني بما فاتني، وتعيد لي ما لم أتمكن من متابعته، وتشرح لي ما لم أفهمه، وتردّ عليّ كلما احتجت إليها. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد شرح درس أو متابعة طالبة، بل كانت حاضرة معي رغم كل الظروف.
لكن أكثر ما بقي معي لم يكن الدروس. كانت كلماتها. ربما كانت بعض الكلمات بالنسبة إليها عابرة، قيلت في لحظة وانتهت، لكنها بالنسبة إليّ لم تكن كذلك. كانت كلماتها تصل إلى مكان في داخلي لم تكن تصل إليه أشياء كثيرة، ولذلك بقيت محفوظة في زوايا روحي حتى اليوم.
اقرأ أيضًا: قبل انتهاء إجازة الصيف... سهرة عائلية حول "التغريبة الفلسطينية"
ثم انتهى العام الدراسي، وأصبحت في الصف التاسع، وكنت أظن أن ما مضى قد مضى، وأن علاقتي بمعلمتي ستبقى مرتبطة بالعام الدراسي الذي انتهى. لكنني لم أكن أعرف أن بعض الأشخاص لا تنتهي علاقتنا بهم بانتهاء الصفوف. كانت تطمئن عليّ، وتسألني عن حالي، وتدعمني بكلماتها في كل مرة أتحدث معها. ومع مرور الوقت، شعرت أننا نزداد قربًا، رغم أننا لم نلتقِ وجهًا لوجه.
وهنا كنت أسأل نفسي أحيانًا: كيف يمكن لإنسان أن يقترب منك من بعيد؟ كيف يمكن لكلمات تُكتب على شاشة أن تكون بهذا الحضور؟ وكيف يمكن لمعلّمة عرفتها في البداية من خلال الدراسة أن تصبح مع الوقت إنسانة أشعر أنني أعرفها منذ سنوات طويلة؟ كان ذلك الشعور متبادلًا، واستمر تواصلنا من عام إلى عام، حتى أصبحت علاقتنا جزءًا جميلًا من حكايتي.
وفي الأوقات الصعبة التي مررت بها، لم تكن كلماتها بالنسبة إليّ مجرد تشجيع. كنت أعتبرها وقودًا، كانت كلماتها تعيد لي طاقتي حين تنخفض، وتحوّل شيئًا في داخلي من السلبية إلى الإيجابية، وتعيد إليّ التفاؤل حين كنت أحتاج إلى من يذكّرني بأن هناك شيئًا يستحق أن أواصل من أجله. وفي ظروفٍ كان همّ الناس فيها أن ينجوا بيومهم، كانت هي تذكّرني بأن لي حلمًا أيضًا، وأن الظروف مهما اشتدت لا ينبغي أن تجعلني أنسى من أريد أن أكون.
كنت أتمسك بكلماتها وأؤمن بها، وكأنها الشيء الذي يذكّرني بأن في الدنيا خيرًا ما زال موجودًا. وفي كل مرة كنت أظن أن الأبواب قد أُغلقت، كانت كلماتها توقظني من جديد، وتعيد ترتيب أفكاري، وتهوّن عليّ ما كان يبدو صعبًا. لأن كلماتها لم تكن مجرد كلام جميل. كانت صادقة، خارجة من قلبها، وكانت تؤمن بي فعلًا. كانت ترى فيّ ما لم أكن أراه في نفسي، وتثق بي حين كنت أحتاج إلى أن أثق بنفسي أكثر.
اقرأ أيضًا: "أساطير" رأيناها واقعًا في غزة عن أحقر احتلال عرفه التاريخ
وكانت تقول لي: "أنتِ قدّها، وستثبتين لي ذلك" قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها بالنسبة إليّ لم تكن بسيطة أبدًا. هناك فرق بين أن يقول لك شخص: "أتمنى أن تنجحي"، وبين أن يقول لك بثقة: "أنتِ قدّها". الأولى أمنية، أما الثانية، فهي إيمان وأنا فعلًا أثبتُّ لها ذلك.
كلما أنجزت شيئًا، تذكرت كلماتها. وكلما تجاوزت مرحلة صعبة، تذكرت أنها كانت تؤمن بأنني أستطيع. وكلما شعرت أن الطريق أصبح أثقل، عاد صوتها إلى رأسي من جديد. واليوم، وأنا مقبلة على الصف الحادي عشر، ما زالت تلك الكلمات ترافقني.
في كل إنجاز، وفي كل خطوة، وفي كل لحظة أشعر فيها بالتعب، أتذكرها. وهنا تعلّمت شيئًا مهمًا عن النجاح. كنت أظن أن النجاح هو أن أصل إلى معدل معين، أو أن أحقق إنجازًا، أو أن أصل إلى مكان كنت أحلم به. وما زلت أؤمن بأن الاجتهاد والإنجاز مهمان، لكنني تعلّمت أن النجاح أكبر من ذلك.
النجاح أحيانًا هو أن تجد شخصًا يؤمن بك منذ بداية الحلم وحتى تحقيقه. أن تجد إنسانًا يعرفك أحيانًا أكثر مما تعرف نفسك، ويذكّرك بقدرتك حين تنساها، ويضع في قلبك كلمة تستطيع أن تعيش بها سنوات. أن يبقى اسمك في دعاء أحدهم، وأن يفرح لإنجازك، وأن يترك فيك أثرًا جميلًا، وتترك أنت أيضًا أثرًا جميلًا فيه؛ أليس هذا نجاحًا من نوع آخر؟
وربما يكون من أسمى مراتبه، فالإنسان لا يصل دائمًا وحده. قد تكون أنت من يمشي الطريق، ويدرس، ويحاول، ويتعب، ويكمل، لكن وجود شخص واحد يؤمن بك في منتصف الطريق قد يكون هو الفارق بين أن تتوقف وأن تواصل. ولهذا، حين أفكر في معلمتي، أشعر أن الكلمات كلها قليلة.
لو قلت لها: شكرًا، أشعر أن الشكر لا يكفي. ولو قلت لها: أحبك، أشعر أن الكلمة، رغم صدقها، لا تحمل كل ما في قلبي. ولو حاولت أن أكتب لها صفحات من المدح والثناء، سأبقى أشعر أن شيئًا ما ينقص. لأن بعض الأشخاص لا يمكن اختصار أثرهم في كلمات. هي لم تكن معلّمتي فقط، بل كانت أمًا وأختًا وصديقة، وكانت واحدة من أجمل الهدايا التي سخّرها الله لي في طريق لم يكن سهلًا.
ومن أجمل الأشياء التي سأحملها معي من سنوات الدراسة أن هناك إنسانة آمنت بي في وقت لم تكن فيه الظروف سهلة، ولم تكتفِ بأن تعلّمني درسًا، بل جعلتني أؤمن أنني قادرة على أن أتعلم، وأن أصل، وأن أكون أفضل. وسأظل أحمل كلماتها معي. سأحتفظ بها في مكان خاص من قلبي، وسأعود إليها كلما تعبت، وسأقول لنفسي كلما حققت شيئًا:
"هذا ما قيل عني ذات يوم، حين لم أكن قد وصلت بعد" وسأفتخر بهذه الكلمات، لا لأن أحدًا مدحني، بل لأن إنسانة آمنت بي قبل أن أثبت لها أنني أستطيع. وربما هذه هي أجمل هدية يمكن أن يقدمها معلّم لطالبه: أن يمنحه إيمانًا بنفسه، ثم يتركه يمضي بهذا الإيمان إلى أبعد مما كان يتخيل.
أما أنا، فسأواصل. سأدرس، وأكتب، وأحلم، وأحقق ما أستطيع، وسأجعل من كل إنجاز أحققه رسالة صامتة تقول لها: "كنتِ محقّة... أنا قدّها".
لذلك أحيّي كل معلّم ومعلمة لم يتركوا طلابهم عند حدود الكتاب والدرس، بل تركوا فيهم شيئًا جميلًا من أنفسهم. أحيّي الذين آمنوا بطلابهم حين كانوا في أمسّ الحاجة إلى من يؤمن بهم، والذين دفعوهم خطوة أخرى حين ظنوا أن الطريق قد انتهى، والذين لم يعرفوا أن كلمة قالوها ذات يوم قد تصبح بعد سنوات سببًا في أن يواصل أحد طلابهم الطريق.
أما أنا، فسأواصل. سأدرس، وأكتب، وأحلم، وأحقق ما أستطيع، وسأجعل من كل إنجاز أحققه رسالة صامتة تقول لها: "كنتِ محقّة... أنا قدّها"، وسنبقى نكتب ونتواصل، حتى تأتي تلك اللحظة التي نلتقي فيها أخيرًا. وعندها، ربما لن أحتاج إلى كثير من الكلام. يكفيني أن أقول لها: "من الصف الثامن إلى الحادي عشر... ما زلتِ تؤمنين بي، وأنا ما زلتُ أحمل إيمانك معي."

