اثنا عشر عامًا من المودة والوفاء، قضاها الزوجان منى أبو زيد ومحيي الدين نجم من قرية سيريس جنوب مدينة جنين. ففي عام 2011، ارتبطا بميثاق غليظ، جعلا من الدين عمادًا لحياتهما، والرحمة أساسًا لبيت جمعهما. كان زواج محيي الدين أول فرحة تعقب تحرره من سجون الاحتلال، بعد أن أمضى سبعة عشر عامًا في الأسر، ذاق خلالها ويلات السجن ومرارته وتبعاته.
ستة أبناء كانوا ثمرة زواجهما: منية (15 عامًا)، مجد (14 عامًا)، مسك (12 عامًا)، أحمد (11 عامًا)، أسيد (7 أعوام)، وإسلام (6 أعوام). لكن أجواء الأسرة الدافئة ولمّة العائلة لم تدم طويلًا؛ فالاحتلال كان بالمرصاد.
من هو الأسير الشهيد محي الدين نجم؟

في 8 آب/أغسطس 2023، أعاد الاحتلال اعتقال الأسير المحرر محيي الدين، في اعتقال كان الأول والأخير خلال سنوات زواجه. وبعد نحو عام وتسعة أشهر من الاعتقال الإداري، ارتقى محيي الدين في سجن النقب الصحراوي، في 4 أيار/مايو 2025، نتيجة تدهور حالته الصحية وما وصفته عائلته ومؤسسات الأسرى بالإهمال الطبي المتعمد.
كان محيي الدين قد حصل، قبل استشهاده، على قرار جوهري بعدم تمديد اعتقاله، لتعيش عائلته على أمل أن تكون عودته إلى البيت قريبة. لكن ذلك الأمل لم يكتمل. كان الرابع من أيار/مايو 2025 من أصعب الأيام وأثقلها على منى؛ يوم انكسر فيه قلبها، وماتت أشياء كثيرة فيها لا تترجمها الكلمات. كأن الزمن توقف عند اللحظة التي وصلها فيها خبر استشهاد رفيقها وسندها ومعيل أبنائها.
بمشاعر يختلط فيها وجع الفقد بقهر استشهاد زوجها، روت منى تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل معرفتها بالخبر. تقول: “اتصل بي المحامي في نفس يوم الاستشهاد، وأخبرني أن لدى زوجي محكمة تثبيت اعتقال، وقال لي: إذا بتحبي أوصله أي رسالة؟ قلت: خليه يدير باله على حاله وصحته، وإحنا بنحبه كثير وبنستناه على أحر من الجمر، والأهم بلغه إنه معه جوهري وقريبًا رح يكون بيننا”.
وقع الخبر على العائلة

سريعًا انتهت المحادثة، وأغلق المحامي الخط. لم تمضِ سوى عشر دقائق حتى رن هاتف منى مجددًا، وكان شقيقها على الطرف الآخر، يبلغها بارتقاء زوجها، بناء على اتصال من المحامي ذاته. لم تصدق ما تسمعه. تضيف: “قلت لشقيقي: لابد أن خللًا ما بالموضوع، ولَبس بالاسماء؛ لأن زوجي له محكمة، واتصل بي المحامي قبل عشر دقائق. لكن سرعان ما تأكد الخبر، مع صدمة كبيرة لي ولأولادي ولعائلة زوجي”.
لاحقًا، أكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن نجم ارتقى أثناء وجوده في مستشفى سوروكا الإسرائيلي، بعد تدهور حالته الصحية، مشيرة إلى تعرضه لما وصفته بـ”جريمة طبية”، وحرمانه من العلاج، واعتبرت أن الاحتلال ارتكب بحقه “جريمة مركبة” من خلال استمرار اعتقاله إداريًا وحرمانه من الرعاية الصحية اللازمة رغم وضعه الصحي الحرج.
ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه، إلى جانب عشرات جثامين الأسرى الفلسطينيين الذين ارتقوا بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، في ظل ما تقول مؤسسات الأسرى إنه استمرار لسياسات التعذيب والتنكيل والتجويع والإهمال الطبي التي تهدد حياة الأسرى.
اقرأ أيضًا: الأسيرة المحررة سندس لفداوي: "لا تتركوا الأسيرات في مقبرة الدامون"
كان محيي الدين يعاني مرضًا نادرًا يؤثر في الأوعية الدموية، وقد تفاقمت حالته الصحية خلال سنوات اعتقاله الطويلة، بحسب زوجته. تقول منى: “زوجي كان يعاني من مرض نادر يسبب ضمور الأوعية الدموية نتيجة اعتقاله الطويل عند الاحتلال وعدم توفير الأدوية اللازمة، ما أدى إلى تفاقم وضعه الصحي. وعند خروجه من السجن من فترة الاعتقال الأولى أجرى عمليتين جراحيتين، وكانت أموره أفضل”.
لكن الاعتقال الثاني كان مختلفًا. تضيف: “مع الاعتقال الثاني والأخير، كان من المفترض أن يتناول مميعات الدم بشكل دائم، لكن إدارة السجون بعد السابع من أكتوبر منعت أي تواصل مع الأطباء أو تزويد أي أسير بالأدوية، مع ظروف اعتقال سيئة جدًا، مما أدى إلى تفاقم وسوء وضعه الصحي”.
جريمة إهمال طبي

وتحمل منى الاحتلال المسؤولية عن ارتقاء زوجها، مؤكدة أن حالته المرضية، رغم خطورتها، لم تكن لتؤدي إلى هذه النهاية لولا ما تعرض له من سوء معاملة وإهمال طبي، “وقضاء الله أولًا”. وما يعزز يقينها بذلك، آخر المعلومات التي وصلتها من محامٍ خاص أوكلته لزيارة زوجها قبل ثلاثة أشهر من استشهاده. يومها طمأنها المحامي على وضع محيي الدين، ونقل إليها مدى شوقه للعودة إلى المنزل، وبعث أشواقه إلى زوجته وأبنائه، واعدًا إياهم بأن يعوضهم، قدر استطاعته، عن فترة اعتقاله، لكن الاحتلال حال دون تحقيق الوعد.
حزن شديد ينتاب منى، وفقد زوجها لم تتخطه حتى اللحظة، وكذلك أبناؤها. فقد ترك محيي الدين، بصفاته وحضوره، مكانة خاصة بين عائلته ومحيطه، وكان استشهاده بمثابة فراغ كبير في قلوب محبيه. تصفه منى بأنه كان حنونًا، بارًا بوالدته إلى أبعد الحدود، حريصًا على صلة الرحم، ومتفانيًا في إسعاد أهل بيته. كان مخلصًا وصادقًا واجتماعيًا ومحبًا للخير بكل أشكاله.
اقرأ أيضًا: عائلة الأسير أمجد عليوي: 12 عامًا قضت من أصل مؤبدين و30 عامًا"
اليوم، تفتقد العائلة الزوج والأب في تفاصيل الحياة اليومية كلها. وبفقده، باتوا، بحسب الزوجة، “أجسادًا بلا روح”. لكن كلما اشتد عليها الحزن والحنين، تستحضر الوعد باللقاء، وتقول إن الدنيا مهما طال بلاؤها، فعند الله العوض والجبر. تضيف منى: “الأبناء كانوا وما زالوا وصية والدهم، ومما يصبرني ويعينني أنني أنفذ وصيته برعايتهم والإحسان إليهم كما كان يحب، حتى ألقى ربي وألقاه وهو راضٍ عني، فإني أحتسب الأجر على الله، وسبحان من يبتلي ويعين”.
لم تتوقف معاناة منى عند استشهاد زوجها؛ فجثمانه لا يزال محتجزًا لدى الاحتلال. بذلت كل جهدها لمتابعة القضية، وتواصلت مع مؤسسات وهيئات محلية ودولية طلبًا للمساعدة، لكنها لم تصل إلى نتيجة. تقول: “عند سؤالي لموظف الهيئة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء عن آخر جثمان تم استلامه من قبلهم، أخبرني أنه كان في تاريخ 1976، وأن جثامين الشهداء ورقة ضغط يستخدمها الاحتلال للحصول على أي تنازلات أو تحقيق أي مصالح”.
احتجاز الجثمان

لم تجد منى في مواجهة هذا الانتظار سوى الصبر، وهي التي لم تتمكن حتى من وداع زوجها ومواراته الثرى. لكن معاناة العائلة لم تتوقف عند فقد الأب واحتجاز جثمانه. بعد أقل من أربعة أشهر على استشهاد محيي الدين، تفاجأت منى بقطع السلطة الفلسطينية راتب زوجها الذي كان يتقاضاه بعد سنوات اعتقاله الأولى.
وجدت نفسها أمام معاناة جديدة، ومسؤولية كبيرة عن ستة أبناء، والتزامات مالية متزايدة، وحاجة إلى مصدر دخل يعينها على إدارة شؤون الأسرة. تقول: “أصبحنا نبحث عن مصدر دخل يغطي احتياجاتنا الأسرية، إضافة إلى أن أولادي عانوا بعد استشهاد والدهم من وضع نفسي سيئ، خصوصًا الإناث. فكان لابد من إشغالهم بمشروع يتساوق مع موهبتهم، ويشغل وقتهم بما هو مفيد”.
في بيتٍ غاب عنه الأب، بقيت وصيته حاضرة. وبينما لا تزال منى تنتظر جثمان زوجها ليعود إلى تراب قريته، تواصل رعاية أبنائه، وتحاول أن تصنع لهم من بين الألم حياةً جديدة، مستندة إلى وعد قطعته على نفسها، ووصية تركها لهم محيي الدين قبل أن يحول الاحتلال دون عودته.
من هنا ولدت فكرة العمل بالخرز والعطور؛ مشروع صغير أرادته منى مساحة للمتعة والفائدة، ومصدرًا للدخل في الوقت ذاته. أحضرت الأدوات اللازمة، وأنشأت صفحة على موقع “فيسبوك” باسم “عود للعطور والخرز”، وبدأت تنشر أعمال أبنائها وأشغالهم اليدوية. كان المشروع، بالنسبة إلى منى، أكثر من محاولة لتأمين مصدر دخل.
فقد ساعد أبناءها على استثمار وقتهم، وأعاد إليهم شيئًا من الشعور بالحياة بعد الصدمة، وخصوصًا أنهم لم يكونوا قد اعتادوا بعد على غياب والدهم. وكأنها أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد؛ أن تبحث عن مصدر رزق يعينها على تربية أبنائها الستة، وأن تمنحهم في الوقت ذاته مساحة يتنفسون فيها بعيدًا عن ثقل الفقد.
في بيتٍ غاب عنه الأب، بقيت وصيته حاضرة. وبينما لا تزال منى تنتظر جثمان زوجها ليعود إلى تراب قريته، تواصل رعاية أبنائه، وتحاول أن تصنع لهم من بين الألم حياةً جديدة، مستندة إلى وعد قطعته على نفسها، ووصية تركها لهم محيي الدين قبل أن يحول الاحتلال دون عودته.

