أزرق بارد، رسمي، لا يشبه السماء ولا البحر. هو لون بوابات مراكز الإيواء والمساعدات، لون اللجوء والنزوح. حين سأل جدي جاره من أين حصل على كيس الدقيق هذا، قال: من البناء الإسمنتي ذي البوابة الحديدية الزرقاء. وحين أخرجت جدتي علبة الدواء من درجها، قالت: أعطونا إياها من عيادة الوكالة، يرفرف فوقها علم أزرق. وحين أراد أبي أن يلحقنا في المدارس لنتعلم القراءة والكتابة، أخبرته أمي بأن المدارس الحكومية ستكون مكلّفة، وأن تكاليفها ستكون عبئًا إضافيًا عليه.
فهدّأ من روعها وقال إنه سيسجلنا في المدارس التي يرفرف عليها العلم الأزرق، مثل الذي فوق العيادة، والبوابة الزرقاء التي تشبه بوابة مركز تسليم المساعدات، تتكفل ببعض حاجياتنا من قرطاسيةٍ وغيرها. كان هذا أول عهدنا مع اللون الأزرق. لم نكن نحتاج إلى أن نرفع رؤوسنا إلى السماء لنراه، ولا إلى أن نقطع مسافات طويلة إلى البحر لتلمس أناملنا لونه. كان يكفي أن نسير في المدينة لنراه في أماكن كثيرة.
ثم بدأت أعيننا تعتاده، كمكان نذهب إليه لقضاء بعض الحوائج. أذكر أنه في المدرسة الابتدائية كانت تصل مساعدات إلى بعض الطلاب الأقل رفاهية من غيرهم. أذكر تلك السراويل والمعاطف الخشنة المظهر والملمس، كحلية اللون، التي كانت تُسلَّم قبيل الربيع وانصرام الشتاء. وأذكر تلك الحقائب الزرقاء التي كانت تكشف أن حاملها من أولئك الذين يتلقون المساعدات بسبب عوزهم، وحالتهم الاقتصادية.
كانت لدينا زميلة في الصف اسمها (رفيدة) الأولى علينا وعلى المدرسة كلها، وكان حلمها أن تصبح طبيبة بارعة. هندامها مرتب، ولا ينقصه شيء: زي مدرسي مخطط طوليًا، وبنطال داكن، وحذاءٌ عادي. في إحدى الحصص، طُرق الباب، وطلبت المستخدمة من رفيدة أن تذهب إلى غرفة الإدارة. كان الأمر غريبًا؛ فغرفة الإدارة لا يذهب إليها إلا أصحاب المشاغبات الصغيرة، أو إذا حضر ولي الأمر. ورفيدة لم تكن من هذا ولا ذاك.
ناظرتني نظرة قلقة وكأنها تعرف ما هي ذاهبةٌ إليه، وبادلتها نظرة حاولت أن أطمئنها فيها. غابت قليلًا، ثم عادت بوجه مكفهر، وبيدها كيس شفاف تبرز منه الحقيبة الزرقاء. دسّتها سريعًا داخل المقعد. بعد أن انتهت الحصة، أخبرتني بأنها كانت تعلم أنهم استدعوها لهذا السبب.
سألتها: كان بإمكانك أن ترفضي الذهاب أو استلام هذه الحقيبة! قالت بصوتها الهادئ: لديّ حقيبة جيدة، ولكن أخي الذي يصغرني ليست لديه واحدة، ينتظر عودة أخي الأكبر من المدرسة ليفرغها، ثم يأخذها هو، ويركض سريعًا إلى دوامه. وما حدث بعدها كان جارحًا أكثر، في إحدى المرات التي عدنا فيها من حصة الرياضة، فتحت رفيدة حقيبتها، فوجدت مبلغًا من المال وُضع داخلها. جمعته الطالبات في الفصل من أجلها، ووضعنه على استحياء، في غفلة عنها، حتى لا يؤذين مشاعرها.
كان ردها وقورًا مثلها. لم تتحدث ولم تبكِ. فقط أخبرت الجميع بأنها وجدته أسفل مقعدها، وأن من أسقطه يحتاج إليه أكثر. قبل أسبوع، أرسلت لي رفيدة رسالة تقول فيها: كنت أظنها اختفت، وكنت أتخيلها تندس بين بقية الألوان على استحياء من حاملها. لقد أصبحت وقاحتهم أكبر، ومعايراتهم أكثر فجاجة.
وأثناء ذهابي إلى العمل، رأيت كلام رفيدة يتجول في الشارع على ظهور الأطفال وأكتافهم. نظرت إلى الحقائب، وشعرت بثقل في قلبي. كان يؤلمني ذلك الشعار المنقوش بالأبيض، كأنه يذكّر الطفل، قبل أن يفتح حقيبته، بالمكان الذي جاء منه، والذاهب إليه، كأن الأفق والأرض مصيدةٌ مقفلةُ بإحكام.
فكرت في كل الأشياء التي صارت تصل إلينا من مساعدات تحمل أسماء الجهات التي أرسلتها، وتخبرنا، بطريقة لا تخطئها العين، بما جاءت ومن أين. حتى الحقيبة، الشيء الذي كان يمكن أن يكون مساحة صغيرة للفرح؛ لطفل سمع أن حقائب مدرسية ستصل إليه ولأصدقائه، فتخيل لونًا معينًا أو رسمة لأحد أبطال الرسوم المتحركة. لطفلة أخبرت صديقتها أنها تريد حقيبة زهرية، وأصرت الأخرى على الحمراء، ثم وصلت الحقيبة الزرقاء بقماشها الرسمي وشعارها الواضح.
ربما لم يكن في الأمر ما يستدعي كل هذا التفكير لو أن الحقيبة وصلت مرة واحدة وانتهى الأمر. لكن متى صار وصول حقيبة مدرسية إلى طفل حدثًا ننتظره بهذا القدر؟ لقد فقد الأطفال في غزة أشياء كثيرة لا تبدو كبيرة حين نتحدث عنها منفردة. فقدوا حقهم في أن يختاروا لونًا لأنهم أحبوه، أو أن يرفضوا لونًا لأنه لا يعجبهم. فقدوا حتى تلك المشادة الصغيرة مع الأم حول الحقيبة التي يريدونها.
اقرأ أيضًا: حين غادرت الطيور اللوحة
هذه الأشياء تبدو صغيرة حين نقولها وحدها. لكنها كانت جزءًا من الحياة. عرفت الكثير من الأمهات اللاتي بعن آخر قطعة حلين لهن؛ ليدخلن البهجة والسعادة على قلوب أطفالهن، ولينعموا بألوان ورغباتن غير الأزرق! ولهذا لم أرَ الحقيبة وحدها. رأيت معها سنوات طويلة من الأشياء التي تصل إلى الفلسطينيين من الخارج، محمّلة بأسماء الجهات التي أرسلتها. خيام، وبطانيات، وطرود، وأكياس، وملابس، وأشياء يومية لم تعد تخلو من شعار يذكّرنا بمن جاءت منه.
لا أتحدث هنا عن المساعدة نفسها، ولا عن حاجة الناس إليها. الحاجة لا تحتاج إلى كثير من الكلام. لكن ثمة شيئًا آخر ظل يؤلمني: أن يصبح ما يصل إلينا هو الشكل الوحيد المتعارف عليه في حياتنا، وأن يتعلم الطفل مع الوقت أن يأخذ ما يُعطى له بدل أن يسأل عمّا يريده. تُقال أحيانًا إن الشعارات والألوان ضرورية لحماية المساعدات من السرقة أو البيع. لكن هذه المسألة أقدم من الحرب الأخيرة، وأقدم من الخيام التي صارت جزءًا من يومنا. عرفناها في بوابة المدرسة الزرقاء، وفي السراويل والمعاطف الكحلية التي كان بعض الأطفال يخجلون من ارتدائها.
أهناك حاجة لتذكيرنا بمصائبنا وحشرنا فيها، ومعايرتنا بلجوئنا ونزوحنا الذي لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ثم يطلبون منا شكرهم بامتنان، أخذوا أرغفتنا وناولنا لقمةً ثم اعترضوا حين قرقرت بطوننا! آلمتني الحقيبة بلونها وشعارها، فقد جعلتني أفكر في مقدار ما ابتعدنا عن الأشياء العادية، وعن معاناتنا السيزيفية التي لا تنتهي. كانت لدينا رفيدة واحدة في الأمس، أنا اليوم فلدينا جيلٌ كامل، ليس لديه حقٌ في الرغبة، ولا الاختيار بل الاكتفاء.

