لم تقتصر سياسات إدارة السجون الإسرائيلية على تشديد العزلة وتقييد الحركة وحرمان الأسيرات الفلسطينيات من أبسط حقوقهن، بل امتدت إلى استهداف أحد أهم مصادر الصمود المعنوي داخل المعتقل؛ القرآن الكريم. ففي فترات مختلفة، صادرت إدارة السجون المصاحف من داخل الغرف، في خطوة وصفتها أسيرات محررات بأنها لم تكن مجرد إجراء عقابي، بل محاولة لحرمانهن من السند الروحي الذي يخفف وطأة العزلة والخوف، ويمنح أيام الاعتقال القاسية معنى يمكن احتماله.
القرآن.. طوق نجاة خلف القضبان

في شهادة للمحررة (م. خ)، التي أمضت سنة في سجن الدامون بعد رحلة تحقيق قاسية، تصف كيف تحول القرآن إلى طوق نجاة حافظ على تماسكها النفسي في أكثر مراحل الاعتقال صعوبة، فتقول:" في الأيام الأولى للاعتقال، وتحديدًا في زنازين التحقيق في المسكوبية، حُرمت من رؤية الشمس أو معرفة الوقت. كان ذكر الله ومناجاته واستحضار آيات القرآن من ذاكرتي هو ما يثبتني.
وبعد إلحاح مستمر، سمحوا لي بالحصول على مصحف لمدة ثلاث ساعات يوميًا، كنت أعدها ساعات ثمينة جدًا، أفتح المصحف ولا أرفع نظري عن الآيات خلالها، لم تكن مجرد قراءة عابرة، بل هواء أتنفسه ليحميني من الجنون والقلق المستمر". وتضيف مؤكدة:" كنت أخشى من فقدان عقلي".
وتتقاطع هذه التجربة مع شهادة أسيرة محررة أُفرج عنها في صفقة تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وتستعيد كيف تحول القرآن داخل المعتقل إلى مساحة جماعية للتعلم والتآزر، فتقول:" الأسيرات الأكثر حفظًا ومعرفة بالقرآن يخصصن ساعات الصباح لتحفيظ الأسيرات وتفسير القرآن. وتصبح الآيات التي تتناول قصص الأنبياء وصبرهم ذات معنى حي نراه واقعًا أمامنا. وكان لسورة يوسف وقع خاص في نفوسنا ونحن نتلو الابتلاءات التي مر بها نبي الله يوسف، الواحدة تلو الأخرى، دون أن يثنيه ذلك عن إيمانه".
"يحميني من الجنون"

وتضيف:" القرآن يمنحنا شعورًا بالحرية المطلقة، وللمفارقة العجيبة، أن السجان يمتلك أقفال الأبواب ويقبض على حريتنا وأيامنا، لكن أرواحنا كانت تحلق مع الآيات خارج الأسوار رغمًا عنه".
ويظهر أن علاقة الأسيرات بالقرآن تجاوزت حدود التلاوة والعبادة، لتغدو وسيلة للحفاظ على الاتزان النفسي في بيئة صُممت لإنتاج العزلة والقلق والإنهاك. ففي ظل التحقيقات الطويلة، والانقطاع عن الأهل، وضبابية المصير، لم تكن الآيات تلغي قسوة الاعتقال، بل تمنح الأسيرات قدرة أكبر على احتمالها، وتعيد ترتيب الزمن داخل السجن على نحو يجعل كل يوم قابلًا للعبور، وكل ابتلاء أقل قدرة على كسر الإرادة.
حصن الأسيرات في مواجهة العزلة

تبدأ قسوة العزل داخل السجن بإغلاق باب الزنزانة، وبما يفرضه من غياب للأصوات والوجوه المألوفة، وتوقف نمط الحياة المعتاد قبل الاعتقال. ليصبح الزمن أكثر بطئًا، وتتضاعف وطأة الانتظار، ويغدو الحفاظ على المشاعر النفسية معركة يومية لا تقل صعوبة عن مواجهة القيود نفسها. وفي خضم هذه التجربة، وجدت كثير من الأسيرات في القرآن معينًا على دفع محاولات السجان تكريس مشاعر الاستسلام واليأس لديهن.
وتروي الأسيرة المحررة (ن. م) أن فترات العزل الانفرادي كانت الأصعب خلال اعتقالها، مضيفة:" في الزنزانة لا شيء يبدد الصمت. كنت أستعيد ما أحفظه من القرآن، وأردد الآيات مرارًا بصوت أستطيع سماعه، ليس خوفًا من النسيان، بل لأشعر أن الزمن يمضي، وأنني أتصل بالحياة خارج هذه الجدران".
اقرأ أيضًا: الأسيرة هناء طحاينة: وجه في مشهد "بن غفير" الدعائي
أما الأسيرة المحررة (ر. ح)، فتقول:" كان أكثر ما يؤلمني هو انقطاع الأخبار عن عائلتي وأطفالي الصغار وابنتي التي تتقدم لامتحان الثانوية العامة، فلا أعرف ماذا يجري خارج السجن. عندها كنت ورفيقات الأسر نتواصى بالصبر، ونقرأ القرآن معًا، فأشعر بالقلق يتراجع قليلًا، ويحل اليقين مكان الأسئلة التي تملأ نفسي وتؤرقني ولا أجد لها جوابًا".
وتتقاطع شهادات الأسيرات في التأكيد على أن القرآن يوفر مساحة داخلية عصية على السجان، يستندن إليها كلما اشتدت الوحدة وطال الانتظار. وتحولت الآيات إلى لغة يفسرن بها معاناتهن، ويكتسبن منها قدرة على حماية أنفسهن من الانكسار.
حفظ القرآن... فعل مقاومة داخل الأسر

في الأسر، تحولت علاقة كثير من الأسيرات بالقرآن إلى مشروع متكامل، في محاولة لاستثمار أوقات الاعتقال في عمل يمنح الأيام معنى، ويحول الزمن المفروض عليهن من عبء ثقيل إلى مساحة للتقدم.
ففي الزنازين التي ضاقت بكل شيء، اتسعت ذاكرة الأسيرة (إ. ه) للقرآن. فداخل سجن الدامون، صنعت لنفسها مساحة خاصة من الإنجاز؛ إذ أفاد محامي زارها بأنها أتمت سرد القرآن الكريم غيبًا مرتين خلال اعتقالها، مستثمرة ساعات الأسر في الحفظ والمراجعة، في تجربة تعكس كيف تحول حفظ القرآن لدى بعض الأسيرات إلى وسيلة لإعادة تشكيل الزمن داخل السجن.
وتشير شهادات أسيرات محررات إلى أن حفظ القرآن لم يكن جهدًا فرديًا فحسب، بل نشاطًا جماعيًا يجمع الأسيرات داخل الغرف. فكانت حلقات التحفيظ والمراجعة تعزز روح التضامن بينهن، فمن تحفظ أجزاءً أكثر أو تتقن أحكام التلاوة، تتولى تعليم زميلاتها، بينما تساعد الأخريات في المراجعة والتثبيت، لتتحول المعرفة إلى مسؤولية جماعية.
اقرأ أيضًا: قول في المسكوت عنه: التفتيش العاري للأسيرات الفلسطينيات
وتستعيد الأسيرة المحررة (أ. ع) جانبًا من هذه الحياة داخل المعتقل، مشيرة إلى أن محدودية عدد المصاحف، وفقدان صفحات وحتى أجزاء من معظمها، لم تكن عائقًا أمام استمرار تلك الحلقات، رغم أن عددهن في الغرف كان غالبًا ما يفوق عدد المصاحف المتاحة. ومع ذلك، واصلت الأسيرات تنظيم أوقاتهن بما يتيح للجميع القراءة والمراجعة والحفظ، في مشهد يعكس إصرارهن على التمسك بالقرآن رغم القيود المفروضة عليهن.
أما الأسيرة (و. ن) فقد استطاعت تحويل عتمة المعتقل إلى ساحة لإتمام حفظ كتاب الله وتثبيته، رغماً عن القمع والتضييق الممنهج، والتفتيش الفجائي، وحرمان الأمان، والشُّح الحاد في المصاحف، ناهيك عن الازدحام والضوضاء داخل الغرف المغلقة. ما دفعها لابتكار آليةً للتكيف بتحويل الحفظ الجهري المعتاد إلى الحفظ الذهني الصامت عبر التركيز التام وإغلاق العينين، لتتدرج من العجز في الأسبوعين الأولين إلى حفظ خمس صفحات يومياً. وتؤكد أن الأجزاء المحفوظة داخل السجن كانت أقل ثباتاً مقارنةً بتلك المحفوظة خارجه نتيجة الظروف القاسية.
المعركة على المصحف.. سلاح المصادرة

كلما تعاظم حضور القرآن في حياة الأسرى، اتسعت محاولات إدارة السجون لتقييد هذا الحضور؛ فلم يعد المصحف بمنأى عن إجراءات العقاب الجماعي، وأصبح هدفًا لحملات القمع والتفتيش.
وتؤكد تقارير حقوقية صادرة عن مؤسسات شؤون الأسرى أن إدارات السجون "الإسرائيلية" لجأت في فترات، إلى مصادرة المصاحف أثناء اقتحام الأقسام وتفتيشها، في إطار سياسة عقابية تستهدف تضييق ظروف الاعتقال، وحرمان الأسرى من أحد أهم مصادر الدعم المعنوي.
وتصف المحررة (ب. ع) حادثة بقولها:" أصعب اللحظات التي مرت علينا كانت اقتحام قوات القمع للغرف ومصادرة المصاحف. شعرنا بالعراء التام. لكن، دفعنا ذلك للاعتماد كليًا على ما تم حفظه في الصدور، ومراجعته فيما بيننا. اكتشفنا أنهم يستطيعون مصادرة المصاحف والأوراق والأقلام، لكنهم يعجزون عن انتزاع ما يختبئ داخل نفوسنا".
ما يكشف جانبًا من المواجهة غير المرئية داخل الأسر، حيث تمتد سياسة العقاب إلى استهداف السند النفسي والروحي. ففي الأسر، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد الصفحات التي تُقرأ، والأجزاء التي تُراجع، والآيات التي تُحفظ. ومع مرور الأيام، تحول القرآن إلى نظام يومي يمنح الأسيرة شعورًا بأنها ما تزال قادرة على إدارة جزء من حياتها، التي تخضع لقوانين السجن وإملاءات السجان. وأصبح القرآن مقاومة هادئة، وانتصارًا يوميًا على محاولات استنزاف الروح.

