"الله يرضى عنهم ويفرجها عليهم بالقريب العاجل، هدول نور عيوني، والدار ما فيها روح بدونهم". بهذه الكلمات والدعوات بدأنا الحوار مع الخالة أم عدي هصيص من جنين، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وهي أم لثلاثة أسرى في سجون الاحتلال.
بمرارة يعتصرها الوجع وغصّة تسكن قلبها، تحكي لنا عن اعتقال أبنائها الثلاثة، عدي وقصي ومحمد، وتغدق عليهم بالدعوات والرجاء بأن يجمعها الله بهم سالمين، فيما تنهش روحها لهفة اللقاء، واشتياقها إلى احتضانهم واحتوائهم من جديد.
اعتقال الابن الأول قصي

بات منزلها باهتًا، خاليًا على عروشه، لا ضجيج فيه ولا حياة، وصار كل شيء فيه بلا روح. هكذا تصف الخالة أم عدي حال بيتها، في ظل تغييب الاحتلال أبناءها وزجّهم في السجون التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية، وسط سياسات التنكيل والتجويع والتعذيب والإهمال الطبي، وما يرافقها من انتهاكات وممارسات قمعية تثقل كاهل الأسرى.
للخالة أم عدي سبعة أبناء، ثلاثة منهم أسرى لدى قوات الاحتلال الصهيوني. في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، اعتقلت قوات الاحتلال قصي، عقب اقتحام منزل العائلة، وسط مخاوف متزايدة على وضعه الصحي، إذ كان مصابًا برصاصة في منطقة الكتف، أطلقها جنود الاحتلال عليه خلال مشاركته في مسيرة داعمة لقطاع غزة ومنددة بحرب الإبادة الجماعية.
اقرأ أيضًا: العم عبد الإله جرار: بعمر الـ 19 نال ابني نور لقب الشهيد
وكانت المسيرة قد نُظّمت بالقرب من حاجز الجلمة العسكري، شمالي جنين، حيث فرّقت قوات الاحتلال المشاركين بإطلاق قنابل الغاز والصوت والرصاص الحي صوبهم، ما أسفر عن إصابة قصي وعدد من المواطنين الآخرين. لم تمضِ سوى عشرين يومًا على إصابته حتى اعتقلته قوات الاحتلال. تقول والدته، وقد استبدّ بها الخوف على وضعه الصحي: "قلقانة كثير على قصي، الله أعلم بحاله، الله يهون عليه ويردّ له صحته ويحنّن عليه".
حوّلت قوات الاحتلال قصي إلى الاعتقال الإداري، لتبدأ رحلة من التجديدات المتعاقبة؛ فما إن تنتهي مدة اعتقاله حتى يصدر الاحتلال قرارًا جديدًا بتمديدها، دون تهمة واضحة أو موعد محدد للحرية. ومؤخرًا، جُدّد اعتقاله الإداري للمرة السابعة على التوالي، فيما يقبع حاليًا في سجن النقب الصحراوي.
عدي: الابن الثاني قيد الاعتقال

وبعد نحو أربعة أشهر من اعتقال قصي، اعتقلت قوات خاصة شقيقه عدي، في السابع من آذار/مارس 2024، خلال عمله في بلدة أم الفحم بالداخل الفلسطيني المحتل. وحوّل الاحتلال ملفه إلى قضية، فيما لا يزال موقوفًا دون حكم حتى اللحظة في سجن عوفر. تتابع الخالة أم عدي، وقد أنهكها الانتظار والشوق: "ومحمد ابني الثالث اعتقلوه اليهود بعد سنة وثمان أشهر تقريبًا، وأعطوه إداري".
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت محمد هصيص في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، من منطقة البيادر بمدينة جنين، وحوّلته إلى الاعتقال الإداري. وقد مدّدت اعتقاله للمرة الثالثة، فيما يقبع حاليًا في سجن النقب الصحراوي. أما عن أوضاع أبنائها الصحية، فتوضح أن الثلاثة، قصي وعدي ومحمد، أُصيبوا بمرض السكابيوس أكثر من مرة، قبل أن يتعافوا منه.
وكان الشقيقان الأسيران عدي وقصي قد التقيا معًا في سجن مجدو، حيث كان كل منهما يقبع في قسم مختلف، قبل أن تفرّقهما إدارة السجون مجددًا، بنقلهما إلى سجون أخرى. أما الشقيقان قصي ومحمد، فلم يتمكّنا من اللقاء وجهًا لوجه في سجن النقب الصحراوي، واقتصر تواصلهما على الرسائل التي كانا يتبادلانها بواسطة الأسرى، في محاولة للاطمئنان على بعضهما والبقاء على صلة، رغم إجراءات الاحتلال التعسفية وظروف الاعتقال.
محمد هصيص: رسائل بدل اللقاء

وتبقى المعلومات التي تصل إلى العائلة عن أبنائها مقتضبة ومحدودة، شأنها شأن المعلومات التي تتلقاها عائلات الأسرى الفلسطينيين، إذ لا تجد سبيلًا للاطمئنان عليهم سوى من خلال الأسرى المحررين أو زيارات المحامين، التي باتت تشكّل عبئًا ماديًا ثقيلًا على العائلات، في ظل المبالغ الباهظة التي يتقاضاها المحامون مقابل زيارة الأسير.
وتتفاقم هذه الأعباء في ظل قطع السلطة الفلسطينية رواتب مئات الأسرى، ما يزيد من معاناة عائلاتهم التي تجد نفسها أمام تحديات مادية متزايدة، في وقت يتعمّد فيه الاحتلال عزل الأسرى عن العالم الخارجي وحرمانهم من زيارات ذويهم، منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة قبل نحو ثلاثة أعوام.
اقرأ أيضًا: بلا تهمة ولا محاكمة: أسيرات الاعتقال الإداري
وكان محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين قد التقى الأسير قصي هصيص (20 عامًا) في السادس والعشرين من آب/أغسطس 2024، ونقل عنه معاناته من مرض الجرب (السكابيوس)، مشيرًا إلى أن وضعه الصحي كان صعبًا جدًا، وأنه طالب إدارة السجن عشرات المرات بتوفير العلاج اللازم، دون جدوى، في ظل استمرار تجاهل مطالبه الصحية.
وبيّن قصي أنه، نتيجة لهذه الأعراض، لا يستطيع النوم لأيام متواصلة، مشيرًا إلى أن عشرة من الأسرى الموجودين معه في الغرفة ذاتها يعانون من المرض نفسه، "منهم من يسيل الدم والقيح منه باستمرار".
أم تستودع أبناءها الله

وتعقّب أم عدي قائلة: "سجّلت لهم زيارات مع الهيئة ونادي الأسير، بس للأسف ما حدا زارهم، إلا عدي مرة قبل سنتين، وقصي مرة زاروه مؤسسة الضمير لأنه كان مصاب". وما يخفّف من وطأة الشوق والقلق على أم عدي وعائلتها ما تسمعه من الأسرى المحررين عن أبنائها؛ إذ يصفونهم بحسن الأخلاق وطيب المعشر، ويؤكدون أنهم محبوبون بين الأسرى، وهو ما يبعث في قلبها شيئًا من الطمأنينة.
وتضيف والدتهم: «كل واحد فيهم إله ميزة، محمد مرح وضحوك، ما في قعدة بقعدها إلا يبسط الكل، وعدي وقصي، الحمد لله، أدب وأخلاق ورجولة ومحبوبين، والكل بحلف بحياتهم».
وفي ختام حديثنا، تستودع أم عدي أبناءها لرب رحيم رؤوف، وترفع أكفّ الدعاء في صلاتها وقيامها، راجية أن يردّهم إليها سالمين غانمين، معافين من كل مرض وسوء، وأن تقرّ عينها بلقائهم واحتضانهم من جديد. وتضيف: "بالنسبة لرسالتي، ما بدي أبعت إشي لأي حدا. أنا استودعت أولادي لرب العالمين، لأنه ما في حدا سائل عن الأسرى بالمرة".

