بنفسج

ميلاد جديد.. آباء منسيون

الثلاثاء 29 يونيو

ابتسامة جديدة وصراخ جديد، كائن صغير يتشبث بآخر عملاق مسؤول عن حمايته في تلك الحياة يكون له العالم بأسره، يتأمل تفاصيله اليومية، يحاول أن يكتشف أين هو الآن، وما الذي يحدث له من تلك المستجدات التي طرأت على عقله وقلبه سويًا في مجتمعات لن تقف كثيرًا عما يدور بداخله كأب جديد، بل نجدها تتوقف فقط عند المسؤوليات التي تجب عليه، فعادة، في المجتمعات العربية، لا يتم الحديث كثيرًا عن ما يشعر به الآباء الجدد، ربما لقناعة بأن الحديث عن المشاعر ضعف أو وصم بعدم تحمل الصعاب، وهذا يظهر جليًا حين نتحدث في موضوع مثل اكتئاب ما بعد الولادة، فإنه عادة ما ينظر على أنه مشكلة تقتصر على النساء اللواتي لديهن أطفال حديثي الولادة، ولا يشمل الآباء أيضًا.

| ميلاد جديد وآباء منسيون

اكتئاب4.jpg

في الواقع، إنّ ميلاد طفل جديد يمكن أن يشكل عاملًا ضاغطًا على الأب والأم اللذان يواجهان صعوبة في التعاطي مع الوضع الجديد. من الجهة النفسية، فهى تجربة جديدة على كليهما، فالأم تكون بخبره شبه منعدمة فى التعامل مع رضيع لا يعلم من العالم سواها، ولا يعرف سوى البكاء كتعبير عن احتياجاته النفسية وعن حاجته للطعام مع فترات نوم متقطعة، والأب، بتغير شكل الحياة المعتادة بصوت الصغير الذي في كثير من الأحيان يجعله ينزعج طيلة الليل خصوصًا حين يرافق الآباء زوجاتهم نفس الغرفة، أو صراعات التفكير فى حجم المسؤولية التي تشغل عقله حين يصبح أبًا، من توفير متطلبات الحياة المادية للأسرة، ومن دوره كأب مع رضيعه، والذي عادة لا يعرف ما المفترض عليه فعله.

إن اكتئاب ما بعد الولادة يرتبط بشكل كبير بأحد الزوجين، بما معناه، أن الإصابة به تعتمد على إصابة أحد الزوجين على الأقل الذي عانى من أعراض اكتئاب مرتفعة خلال الشهرين الأولين بعد الولادة. فقد ثبت أن ما يقارب من 60% من الأزواج لديهم شريك واحد على الأقل قد أُصيب بالاكتئاب، إما في وقت متأخر من الحمل أو بعد ولادة طفلهم.

لهذا، فإن تجربة ما بعد الولادة تُعد تجربة صعبة، لا بد أن يهيأ لها الأب والأم نفسيهما، فهي تجربة تطرح العديد من التحديات لحياة الرجال والنساء على مستوى صحتهم النفسية والعقلية، إذ تشير الدراسات إلى أن الاكتئاب ما بعد الولادة عند الآباء كان واضحًا في حوالي 10٪ من الرجال في فترة ما بعد ولادة أطفالهم من 3 إلى 6 أشهر. إذ يميل اكتئاب ما بعد الولادة عند الآباء في فترة مابعد ولادة أطفالهم إلى التطور بشكل تدريجي وثابت، أكثر من اكتئاب ما بعد الولادة للأم، فقد استوفى 4.8% من الآباء، لأول مرة، معايير تشخيص اضطراب الاكتئاب أثناء الحمل زوجاتهم، و4.8% من الآباء خلال ثلاثة أشهر بعد الولادة، لكن 23.8 % من الآباء أصيبوا بالاكتئاب في 12 شهرًا بعد الولادة (أي خلال سنة).

إن اكتئاب ما بعد الولادة يرتبط بشكل كبير بأحد الزوجين، بما معناه، أن الإصابة به تعتمد على إصابة أحد الزوجين على الأقل الذي عانى من أعراض اكتئاب مرتفعة خلال الشهرين الأولين بعد الولادة. فقد ثبت أن ما يقارب من 60% من الأزواج لديهم شريك واحد على الأقل قد أُصيب بالاكتئاب، إما في وقت متأخر من الحمل أو بعد ولادة طفلهم. وقد وُجد باستمرار، أن اكتئاب الأمهات هو أهم عامل خطر للاكتئاب لدى الآباء، فالآباء الذين يعانون من اكتئاب ما بعد الولادة لديهم خطر أكبر بـ 2.5 مرة للإصابة بالاكتئاب بعد ستة أسابيع من الولادة، مقارنة بالآباء الذين لا تعاني زوجاتهم من الاكتئاب.

| كيف يحدث للآباء اكتئاب ما بعد الولادة؟

انفو الأب.jpg

كثير من الناس لا يدركون أن التغيرات الهرمونية للرجل، تعكس تغيرات زوجته أثناء الحمل؛ إنها الطريقة التي يعمل بها الجسم في إعداد الرجال ليصبحوا آباءً؛ إذ تنخفض مستويات هرمون التستسيرون، بينما تزيد مستويات هرمون الأستروجين والكورتيزول، وحتى مستويات البرولاكتين، وهو هرمون مرتبط بالرضاعة الطبيعية عند الأم.

إن الرجل الذي يعاني من انخفاض في هرمون التستوستيرون ومستويات أعلى من الكورتيزول بعد ولادة الرضيع، يكون أكثر رعاية واستجابة لمولوده الجديد، وأكثر مشاركة في رعاية الأطفال واللعب مع نمو الطفل. إلا أنه يجب أن تكون هذه التحولات الهرمونية صحيحة تمامًا، أو يمكن أن يؤدي الاختلال في آلية عملها إلى اضطرابات في المزاج، من بينها الاكتئاب.

ولتوضيح ذلك، يكون اكتئاب ما بعد الولادة للأب، مرتبطًا بالتغيرات في مستوى هرمون التستوستيرون لديه، والذي ينخفض ​​بمرور الوقت أثناء حمل شريكته وفترة ما بعد الولادة. انخفاضه الشديد سيؤدي إلى سلوك العدوانية، وقلة الاستجابة العاطفية من قبل الأب باتجاه طفله. ويؤدي عدم الانتظام في هرمون الأستروجين لدى الأب إلى اضطراب السلوك الأبوي. كما أن المستويات المنخفضة من الكورتيزول بين الآباء ترتبط بصعوبات في الترابط بين الأب وطفله، والمزاج المكتئب.

| لماذا يعاني الآباء من الاكتئاب بعد حمل وولادة زوجاتهم؟

الاباء.jpg

يعاني معظم الآباء من درجة معينة من الضغط الأبوي، والبعض يواجهون شعورًا بنفور كبير وسلبية تجاه أنفسهم وأطفالهم. فغالبًا ما تسبب المطالب والمسؤوليات الجديدة خلال فترة ما بعد الولادة بتغييرات كبيرة في حياة الأب، والتي تنعكس سلبًا على الحالة المزاجية، فالرجال لا يحصلون على الدعم المجتمعي في التعامل مع مشاعرهم وما يمرون به، مما يجعل ذلك مؤشرًا قويًا للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، ويكون دعم الشبكة الاجتماعية له منخفضًا مقارنة بالنساء؛ إذ تشير الأبحاث حول الفروق الجندرية في أنماط العلاقات الشخصية، إلى أن الرجال يعتمدون على زوجاتهم للحصول على الدعم العاطفي أكثر من اعتمادهم على الأهل أو الأصدقاء، في حالة طلبهم لهذا الدعم، فكثير من الرجال لا يطلبون الدعم النفسي حين يمرون بضائقة أو ضغوط.

مؤشر آخر على احتمالية الإصابة بالاكتئاب، هو أن الكفاءة الذاتية في الأبوة والأمومة بين الآباء، ترتبط بشكل كبير بإحساس الأب بعدم إتقان دوره في الأسرة؛ فقد يؤدي عدم فهم ما هو متوقع من الأب إلى حالة من القلق، وخاصة الآباء لأول مرة، مما يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة من الأب. كما أن عدم وجود مكافآت في الأبوة والأمومة يساهم أيضًا في تطوير اكتئاب ما بعد الولادة عند الآباء، فقد أبلغ الآباء عن ردود فعل إيجابية، مثل الابتسامات من أطفالهم، باعتبارها أهم مكافأة لهم. مع ذلك، فإن قلة خبرة الأب في تربية الأبناء، وقلة التواجد مع الرضيع، قد تجعل التفاعلات أكثر إزعاجًا للرضيع.

من المهم معرفة كيف يتجاوز الزوجين تلك المشاعر، وكيف سيتعاملون مع الوضع الجديد لتلبية احتياجاتهم بعيدًا عن القالب الذي يرسمه المجتمع ويرسخ فى اللاوعي، فحين ننجب، تتوقف الحياة الخاصة، من المؤكد أن الحياة تختلف، وأن على الآباء والأمهات أن يكونوا على دراية بذلك.

ومن المثير للاهتمام، أن الآباء قد يبلغون عن مشاعر الغيرة تجاه أطفالهم؛ لأن الأطفال يشغلون قدرًا كبيرًا من اهتمام شريكهم. إذ أبلغ الآباء عن عدم رضاهم المتزايد عن علاقاتهم مع زوجاتهم، بما في ذلك الافتقار إلى الحميمية، وفقدان الزوجة الاهتمام بالعلاقة الجنسية. لا يعي الرجال حينها ما تشعر به الزوجات من إرهاق جسدي ونفسي فى تلك المرحلة التي هي مرحلة صعبة فى انتقال الأم من فتاة حديثة الزواج إلى أم مسؤولة عن رضيع، فيحدث أن كلاهما يشعر بمشاعر يصعب على الآخر تفهمها.

لا يُسلط الضوء كثيرًا على اكتئاب الآباء حتى من الآباء أنفسهم، لكن الواقع يخبرنا أن تلك المشاعر والتغييرات النفسية التى يمر بها الآباء الجدد، أو حتى ممن أنجبوا مرات سابقة، لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار من الآباء أنفسهم كبداية، ومن حملات التوعية باكتئاب ما بعد الولادة. فكثيرًا ما يكون سوء التواصل بين الزوجين فى تلك المرحلة هو من الأسباب التى تجعل حالتهم النفسية تزداد سوءًا، حيث إن كلاهما يرى أنه متعب ولا أحد يشعر بما يعانيه.

لذا، فإن من الأولى حين تبدأ رحلة الحمل أن يبدأ الآباء والآمهات رحلة تعلم حول ما يهم صحتهم النفسية، وكيف سيتم تجاوز تلك المرحلة الصعبة.

وفى نفس اللحظة، قد يؤثر التعب الجسدي على العلاقة الحميمية من جهة اهتمام الزوجة بزوجها لانشغالها الشديد باكتشاف مهمتها الجديدة واضطراب مشاعرها وحالتها المزاجية أيضًا. لذلك، من المهم معرفة كيف يتجاوز الزوجين تلك المشاعر، وكيف سيتعاملون مع الوضع الجديد لتلبية احتياجاتهم بعيدًا عن القالب الذي يرسمه المجتمع ويرسخ فى اللاوعي، فحين ننجب، تتوقف الحياة الخاصة، من المؤكد أن الحياة تختلف، وأن على الآباء والأمهات أن يكونوا على دراية بذلك، ويدركون حجم التغييرات التى تحدث لهم مع مرونة التعامل ليستمتعوا بأوقاتهم الخاصه وفقًا للحياة الجديدة مع رضيعهم.

عامل آخر من شأنه أن يؤثر على شدة اكتئاب ما بعد الولادة عند الآباء، هو الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعًا، وتكون مصاحبة للاكتئاب خلال فترة ما بعد الولادة، كالقلق واضطراب الوسواس القهري، فيشمل أفكارًا قلقة وتدخلية حول طفلهما، كحدوث شيء سيء لأطفالهم، أو المخاوف المتعلقة بإطعام الطفل وبكائه، وكفاءته كوالد جديد.

وتظهر التساؤلات هل سأكون أبًا جيدًا؟ وهل سأستطيع أن أقدم لطفلي ما يحتاجه؟ لهذا، تؤكد الدراسات على أن نوعية االرعاية الأبوية مهمة لتحقيق التطور والنمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للطفل خلال السنوات الخمس الأولى. عمومًا، وبصرف النظر عن تاريخ وجود الاكتئاب، فالمتنبئ الوحيد القوي لاكتئاب ما بعد الولادة عند الأمهات هو متوسط ​​درجة التأثير السلبي الموضوعي لأحداث الحياة الضاغطة. بينما ارتبط اكتئاب "ما بعد الولادة" لدى الآباء، بتاريخ من الاكتئاب في حد ذاته، وبوجود اكتئاب لدى زوجاتهم أثناء الحمل وبعد الولادة بفترة وجيزة.

ربما لا يُسلط الضوء كثيرًا على اكتئاب الآباء حتى من الآباء أنفسهم، لكن الواقع يخبرنا أن تلك المشاعر والتغييرات النفسية التى يمر بها الآباء الجدد، أو حتى ممن أنجبوا مرات سابقة، لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار من الآباء أنفسهم كبداية، ومن حملات التوعية باكتئاب ما بعد الولادة. فكثيرًا ما يكون سوء التواصل بين الزوجين فى تلك المرحلة هو من الأسباب التى تجعل حالتهم النفسية تزداد سوءًا، حيث إن كلاهما يرى أنه متعب ولا أحد يشعر بما يعانيه.

لذا، فإن من الأولى حين تبدأ رحلة الحمل أن يبدأ الآباء والآمهات رحلة تعلم حول ما يهم صحتهم النفسية، وكيف سيتم تجاوز تلك المرحلة الصعبة حتى يكون دور الأب دور فعال في حياة أطفاله، وحتى تستطيع الأم أن تتفهم مشاعرها ومشاعر زوجها كبداية لرحلة تحتاج منهم سويًا الكثير.