الإسراء والمعراج إحدى أعظم المحطات الإيمانية التاريخية، إذ جاءت في ذروة الابتلاء، لتكون خطاب طمأنينة من السماء إلى الأرض، ومن الله تعالى إلى نبيه الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولتؤسس لمرحلة جديدة في مسار الدعوة. وغالبًا ما يُتناول هذا الحدث من زاويته العقدية والتشريعية، غير أن قراءته من منظور اجتماعي وتربوي، مع التركيز على دور المرأة ومكانتها.
تكشف أبعادًا عميقة تُبرز حضور المرأة بوصفها شريكة أصيلة في حمل الرسالة منذ بدء رسالة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم متجلية في أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات مرورًا بتاريخنا الحديث متجلية في المرابطات والثابتات الصابرات من أمهات الشهداء والأسرى، في صور ضربنها من الصبر والتضحية والثبات والتمسك بأرض الإسراء والمعراج باعتبارها جزءًا من الوعي الإيماني والهوية.
حضور المرأة في مرحلة الدعوة والابتلاء قبل الإسراء والمعراج

وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد عامٍ عُرف بـ عام الحزن، فقد فيه النبي صبى الله عليه وسلم سندين عظيمين: السيدة خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب. ولم تكن خديجة مجرد زوجة، بل كانت عمادًا نفسيًا وإيمانيًا في أشد مراحل الدعوة قسوة. احتضنت الوحي منذ لحظاته الأولى، وصدّقت الرسالة دون تردد، وشاركت النبي الكريم أعباء الحصار، والفقر، والمقاطعة. حضورها في تلك المرحلة يبيّن أن المرأة لم تكن على هامش الحدث، بل في قلبه، تُثبت، وتواسي، وتؤمن حين يتردد الآخرون.
كما شهدت تلك المرحلة حضور نساء مؤمنات شاركن في تحمّل الأذى والاضطهاد، مثل سمية بنت خياط رضي الله عنها، التي قدّمت نموذجًا مبكرًا للصبر والثبات، وغيرهن من الصحابيات الجليلات. هذه التجارب النسوية في مرحلة ما قبل الإسراء والمعراج شكّلت أرضية إيمانية صلبة، جعلت من الحدث معراجًا جماعيًا في معناه، لا فرديًا فقط، لأن الصبر كان جماعيًا، والابتلاء طال الأسرة والمجتمع معًا.
وفي وقتنا الحالي يتجلى ثبات النساء الفلسطينيات، المدافعات المنافحات من أمثال المرابطات هنادي وعائدة وخديجة وغيرهن. والصابرات من نساء الأسرى من ذوي الأحكام العالية، وزوجات المبعدين الممنوعات من لقائهم.
دور المرأة في ترسيخ الإيمان والصبر داخل الأسرة والمجتمع

الإسراء والمعراج لم يكن معجزة للدهشة فحسب، بل اختبارًا للإيمان. وقد أدت المرأة دورًا محوريًا في تثبيت هذا الإيمان داخل البيوت. فالأسرة كانت الوحدة الأولى للدعوة، والمرأة كانت الحاضنة الأولى للمعنى الإيماني. من خلال التربية، والرواية، والموقف، أسهمت النساء في تحويل الحدث من خبر يُكذّب إلى يقين يُحتضن.
في المجتمع المكي، حيث سادت ثقافة التكذيب والسخرية، كانت النساء المؤمنات يزرعن الطمأنينة في قلوب الأبناء، ويُعدن صياغة الخوف إلى رجاء، والضعف إلى ثبات. هذا الدور غير المعلن ظاهريًا، كان بالغ الأثر، إذ حافظ على تماسك النواة المؤمنة، ومهّد لمرحلة الهجرة وبناء المجتمع الجديد.
في واقع المرأة اليوم، تتجلى الحاجة إلى استحضار هذه القيم في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالإسراء من مكة إلى القدس يرسّخ مركزية المكان، ويؤكد أن الأرض ليست جغرافيا صامتة، بل معنى وهوية.
كما تحمل حادثة الإسراء والمعراج جملة من القيم التربوية، أبرزها أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن الارتباط بالسماء لا ينفصل عن عمارة الأرض. هذه القيم تجد المرأة نفسها معنية بها على نحو خاص، بوصفها مربية للأجيال، وفاعلة في تشكيل الوعي.
في واقع المرأة اليوم، تتجلى الحاجة إلى استحضار هذه القيم في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالإسراء من مكة إلى القدس يرسّخ مركزية المكان، ويؤكد أن الأرض ليست جغرافيا صامتة، بل معنى وهوية. والمعراج من الأرض إلى السماء يعلّم أن النضال اليومي، مهما بدا مثقلًا، متصل بالوعد الإلهي. المرأة، من خلال وعيها التربوي، قادرة على نقل هذا المعنى، وربط الأبناء بقيم الصبر، والعدل، والتمسك بالحق.
المرأة وأرض الإسراء والمعراج… تمسك بالهوية والرسالة

القدس، بوصفها أرض الإسراء والمعراج، لم تكن مجرد محطة في رحلة، بل مركزًا روحيًا وتاريخيًا. والمرأة الفلسطينية، والعربية، والمسلمة عمومًا، حملت عبر الأجيال هذا المعنى، وحافظت عليه في الذاكرة الجمعية. من خلال الحكاية، والأغنية، والتعليم، والموقف اليومي، أسهمت النساء في ترسيخ قدسية المكان، وربط الإيمان بالفعل.
التمسك بأرض الإسراء والمعراج ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل التزامًا إيمانيًا. والمرأة، بحكم دورها في تشكيل الوعي المبكر، كانت وما تزال حارسة لهذا الالتزام. فهي التي تُعلّم الأطفال أن القدس ليست خبرًا عابرًا، بل جزء من العقيدة والهوية، وأن الدفاع عنها يبدأ بالمعرفة والانتماء.
وفي السياق المعاصر، تتعاظم مسؤولية المرأة في ظل تسارع الأحداث وتعدد مصادر التأثير. استلهام الإسراء والمعراج في التربية المعاصرة يقتضي تحويله من ذكرى موسمية إلى قيمة حية. والمرأة، سواء كانت أمًا، أو معلمة، أو كاتبة، أو ناشطة اجتماعية، تمتلك أدوات متعددة لنقل هذه القيم.
اقرأ أيضًا: نساء على خطى خديجة: معراج محقق
من خلال الخطاب التربوي، والإعلامي، والثقافي، تستطيع المرأة أن تعيد تقديم الإسراء والمعراج بوصفه درسًا في الثبات، والوعي بالمكان، والارتباط بالله دون انفصال عن قضايا الأمة. هذا الإسهام لا يقل شأنًا عن أي دور آخر، بل هو أساس الاستمرار، لأن القيم التي لا تُورّث تذبل، والذاكرة التي لا تُغذّى تُنسى.
وفي معنى الإسراء والمعراج، تتجلى صور الصبر الإنساني في واقعنا اليوم كما تتجلى في السيرة؛ فكما كان العروج مكافأةً بعد ألم، تعيش أمهات الشهداء وزوجات الأسرى معراجًا من نوعٍ آخر، معراجًا يوميًّا من الوجع إلى الثبات.
أمهات ودّعن أبناءهن بقلوبٍ دامية، لكنهن سلّمنهم للسماء مرفوعي الرأس، وزوجاتٌ يحملن غياب الأحبة أعوامًا طويلة، يربين الأمل كما يربين أبناءهن، ويصنعن من الانتظار عبادة. في صبرهن يتجسد معنى الإيمان العميق، وفي ثباتهن رسالة بأن الأقصى لم يكن يومًا قضية مكان، بل قضية كرامة لا تنكسر، وأن بعد كل ليلٍ طويل، معراجًا لا بدّ أن يأتي

