نسمات رمضان تلوح في الأفق، معلنةً اقتراب شهر الخير والرحمة. تشتاق أرواحنا لهذه الأيام المباركة، وننتظرها من عامٍ إلى عام، ولأنها أيام معدودة وثمينة، فإنّ أحسن ما نبدأ به هو إعداد أنفسنا نفسيًا وروحيًا وجسديًا لاستقبالها من الآن، لا عند حلولها.
في عالم الرياضة، لا يبدأ عدّاء الماراثون السباق دون تدريبٍ وإحماءٍ مسبق، ومن يحاول ذلك سرعان ما يتعب وتتخاذل قواه ولا يُكمل الطريق. كذلك حال النفس في شهر رمضان؛ يمكننا أن نتخيّله ماراثونًا روحيًا يمتد ثلاثين يومًا، يحتاج إلى استعدادٍ سابق لتقليل صدمة التغيير، وهذا ما يُعرف بالتهيئة النفسية المبكرة.
علم النفس السلوكي يبيّن أن الانتقال المفاجئ من نمط حياة متراخٍ أو فوضوي إلى نمط صارم ومنظّم يولّد مقاومة داخلية ورفضًا نفسيًا. لذلك نرى كثيرين يرهقهم مجرد التفكير بالصيام، أو الاستيقاظ للسحور، بل يفوت السحور على بعضهم، ويتثاقل آخرون عن صلاة التراويح أو حتى الصلوات المكتوبة، لأنهم لم يعتادوا هذا النسق طوال العام، ثم يريدون تغييره دفعة واحدة في رمضان. والحقيقة أن التغيير لا يحدث بين يومٍ وليلة.
التهيئة لرمضان
التهيئة لرمضان في شهري رجب وشعبان تُشبه التدريب المسبق؛ هي إرسال رسائل طمأنة للدماغ بأن التغيير سيكون تدريجيًا، حتى نصل إلى رمضان ونحن في حالٍ إيماني أفضل. ابدئي من الآن بقراءة صفحات يومية من القرآن الكريم، حتى وإن لم تتمكني من ختمه قبل رمضان. الأهم هو الثبات على وردٍ يومي. أقيمي الليل ببضع ركعات، ولو بثلاث ركعات وتر. ليكن شعبان نسختك التدريبية المصغّرة لرمضان.
اعتدنا طوال العام أن نبدأ يومنا بكوب قهوة، ثم نعود لكوبٍ آخر في منتصف النهار لدعم التركيز، وربما بكوبٍ ثالث في المساء لتحسين المزاج. ثم يأتي رمضان، فنبدأ يومنا صائمين ونمضي دون القهوة المعتادة، لتبدأ المعاناة مع الصداع، والخمول، واضطراب المزاج، وسرعة الغضب.
لذا فإن التهيئة لرمضان في شهري رجب وشعبان تُشبه التدريب المسبق؛ هي إرسال رسائل طمأنة للدماغ بأن التغيير سيكون تدريجيًا، حتى نصل إلى رمضان ونحن في حالٍ إيماني أفضل. ابدئي من الآن بقراءة صفحات يومية من القرآن الكريم، حتى وإن لم تتمكني من ختمه قبل رمضان. الأهم هو الثبات على وردٍ يومي. أقيمي الليل ببضع ركعات، ولو بثلاث ركعات وتر. ليكن شعبان نسختك التدريبية المصغّرة لرمضان.
اعتدنا طوال العام أن نبدأ يومنا بكوب قهوة، ثم نعود لكوبٍ آخر في منتصف النهار لدعم التركيز، وربما بكوبٍ ثالث في المساء لتحسين المزاج. ثم يأتي رمضان، فنبدأ يومنا صائمين ونمضي دون القهوة المعتادة، لتبدأ المعاناة مع الصداع، والخمول، واضطراب المزاج، وسرعة الغضب. علميًا، الانسحاب المفاجئ من الكافيين يسبّب توسّع الأوعية الدموية في الدماغ، مما يزيد تدفّق الدم إليه، وهذا التدفّق الزائد هو السبب الرئيسي للصداع في الأيام الأولى من الصيام.
نصيحتي لك: ابدئي من الآن بالتخفيف التدريجي من كمية القهوة اليومية، ويفضّل استبدالها بأعشاب منشّطة مثل شاي الزنجبيل مع الليمون. الإنسان بطبعه يميل إلى الروتين، لأنه يمنحه شعورًا بالأمان والنظام والسيطرة. وعندما يحدث تغيير مفاجئ في إيقاع اليوم الرمضاني، تظهر اضطرابات نفسية وجسدية.
اقرأ أيضًا: رمضان شهر القرآن: إضاءات في مدارج السالكين
فالاستيقاظ للسحور بعد أن اعتاد الدماغ النوم العميق في هذا التوقيت، وغياب الوجبات النهارية التي كانت تمدّه بالجلوكوز، يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية، ويظهر ما يُعرف بـ“التغيم الذهني”، المتمثل في الخمول، وصعوبة التركيز، وتقلب المزاج. لذلك، أنصحك بالتمهيد التدريجي عبر الخطوات التالية:
استيقظي مبكرًا: ابدئي بتقديم موعد الاستيقاظ 15 دقيقة يوميًا قبل رمضان، حتى يصبح وقت السحور وقتًا طبيعيًا، لا صدمةً لجهازك العصبي.
التدرب على الصيام: صومي الأيام البيض، أو الاثنين والخميس، نافلةً أو قضاءً. هذا التدريب يعلّم خلاياك كيف تتعامل مع الجوع، ويخفّف من استجابة القلق المصاحبة لانخفاض السكر.
استثمار أوقات الطاقة: بعد السحور نكون في أعلى طاقتنا الجسدية والذهنية، كما أن وقت الفجر وقت صفاءٍ وتركيز. استثمري هذا التوقيت للمهام الصعبة ذهنيًا أو بدنيًا، سواء منزلية أو دراسية أو عملية، واحتفظي بالمهام السهلة لما بعد الظهر والعصر.
الاستعداد النفسي والروحي
تخيّلي أن كل شخصية تتابعينها هي ضيف في “غرفتك العقلية”: هل يليق به الدخول؟ هل هو ضيف لطيف، أم يسرق منك سكينتك وطمأنينتك؟ قال رسول الله ﷺ: *«من صمت نجا»*. هذا التوجيه ليس خُلُقًا فحسب، بل منهج سلامة نفسية. فالجدال، والغيبة، والنميمة من أخطر مستنزفات الطاقة النفسية.
كم نحن بحاجة لتطبيق هذا الحديث اليوم، والتخلّص من هذه العادات قبل رمضان حتى لا تشوّش علينا سكينته. درّبي نفسك على صوم اللسان قبل صوم البطن: الصمت عن الغيبة، عن الأذى، عن التدخل فيما لا يعنيك، عن الجدال العقيم، وعن تداول الشائعات والترندات دون تثبّت.
استمتعي بلحظة هدوء: في عالمٍ متسارع ومليء بالضجيج والترندات والأخبار المثقلة، خذي لنفسك لحظة هدوء تسمعين فيها صوتك الداخلي بعيدًا عن التشويش الرقمي. ابدئي بتقليل وقتك على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم فلترة المحتوى. اسألي نفسك: ماذا أشاهد؟ من أتابع؟ ولماذا؟ فهذه المدخلات ليست صورًا عابرة، بل شحنات شعورية تستقر في النفس والعقل.
تخيّلي أن كل شخصية تتابعينها هي ضيف في “غرفتك العقلية”: هل يليق به الدخول؟ هل هو ضيف لطيف، أم يسرق منك سكينتك وطمأنينتك؟ قال رسول الله ﷺ: *«من صمت نجا»*. هذا التوجيه ليس خُلُقًا فحسب، بل منهج سلامة نفسية. فالجدال، والغيبة، والنميمة من أخطر مستنزفات الطاقة النفسية، فضلًا عن الذنوب التي تثقل الروح.
كم نحن بحاجة لتطبيق هذا الحديث اليوم، والتخلّص من هذه العادات قبل رمضان حتى لا تشوّش علينا سكينته. درّبي نفسك على صوم اللسان قبل صوم البطن: الصمت عن الغيبة، عن الأذى، عن التدخل فيما لا يعنيك، عن الجدال العقيم، وعن تداول الشائعات والترندات دون تثبّت.
اقرأ أيضًا: "السوبر ماما": يوم رمضاني لأم عاملة
دعوة للتسامح في شهر الغفران: رمضان فرصة لتخفيف أحمال القلب. حاولي حلّ الخلافات العالقة، تزكية نفسك، وتطهير قلبك من المشاعر السلبية. عوّدي نفسك حبّ الخير للناس، فالقلب الخالي من الشوائب أقدر على استقبال الأنوار والتجليات الربانية.
تهذيب التوقعات: احذري فخّ المثالية. نعم، الهمة العالية مطلوبة، لكن اجعلي أهدافك معقولة. فالأهداف التي تفوق الطاقة تشحن الجهاز العصبي بالتوتر، ومع أول تقصير يبدأ جلد الذات، ثم الانسحاب الكامل، وهذا ما يُعرف بخطأ “الكل أو لا شيء”. والتوازن بين الكمّ والكيف هو الأساس. كثرة العبادة مطلوبة، لكن الأهم هو أثرها في القلب والسلوك.
بعد كل هذه التهيئة، لا تنسي إعداد ركن خاص للعبادة، ولو زاوية صغيرة في غرفتك: سجادة لطيفة، وسادة ناعمة، مصحف، سبحة، فانوس أو شمعة، وعطرك المفضّل. هذا الارتباط الذهني بالمكان سيجعله ملاذك الآمن، وبمجرد الجلوس فيه تنفصلين عن العالم، تهدأ أفكارك، ويزداد خشوعك وحضورك في العبادة.

