بنفسج

أثر التجارب لا يُمحى: تجربة د. زهرة خدرج وابنتها يقين عبد اللطيف في الاعتقال

الأحد 15 فبراير

الكاتبة زهرة خدرج
الكاتبة زهرة خدرج

بعد الإفراج في عملية التبادل مطلع عام 2025، اعتقدت الأسيرة المحررة د.زهرة خدرج أنها استعادت حياتها، لكنها سرعان ما اكتشفت أن أثر السجن لا يُمحى بسهولة، وأن الاقتحام الجديد لبيتها قد أطلق ذكريات لم تختفِ أبدًا. كما تقول: "بعد اقتحام جيش الاحتلال بيتك أول مرة، تفقد شعورًا بالأمان لا يعود إليك أبدًا.. يضل الطريق إلى روحك وعقلك ويتوه في مكان ما بعيد عنك.. ومن جرب مرة يستحيل له أن ينسى.. تترسخ في ذاكرته شراسة اقتحامهم واختطافه من بيته من بين أسرته وأحبائه، وإخفاءه قسرًا خلف أسوار عالية تعلوها أسلاك شائكة وزنازين رطبة مظلمة عفنة الرائحة.. إنه السجن.. حيث تُنتهك الكرامة الإنسانية."

الاعتقال المنهك

IMG-20260215-WA0004.jpg

الفترة الأولى بعد الإفراج كانت صعبة للغاية، على الرغم من شعور الحرية الظاهر. تصف خدرج تلك المرحلة: "كنت أشعر بتشوش كبير وارتباك، أَنسى الوجوه والأسماء.. ليس لدي شهية للأكل، لا أشعر بحاجة للنوم.. وجسدي هزيل أصلًا من قلة التغذية وظروف السجن شديدة القسوة، وقلق مستمر لا يغادرني. وبما أنني كاتبة وكنت أتمنى الخروج من السجن لمتابعة كتاباتي، إلا أن ذلك كان يعذبني.. ارتباكي في الفترة الأولى كان يحول بيني وبين الكتابة.. كان قاسيًا."

ولكن دعم الأسرة كان سندًا حقيقيًا: "دعم الأهل والأسرة وخصوصًا زوجي ومساندته الكبيرة وحرصه على كل ما يعينني على العودة لما كنت عليه.. ساعدني في الخروج من تلك الحالة. بعد شهرين تقريبًا وجدت نفسي أستعيد بعضًا من زهرة التي كنتها.. ومع مضي الوقت عدت والحمد لله على فضله."

ومع ذلك فإن العودة إلى الحياة اليومية بعد السجن لم تكن تجربة هيّنة، خصوصًا بالنسبة لابنتها يقين، التي كانت حينها طالبة في الثانوية العامة: "بعد الحرية كان لا بد من العودة للمهارات الحياتية التي تختلف اختلافًا تامًا عن حياة السجن، وكان إحداها تنظيم الوقت، وإدارة المهام اليومية، وهي مهارات بصعوبة استرجعتها، واحتاجت لصبر طويل من العائلة ومساندتها أيضًا".


اقرأ أيضًا: المرابطات يكتبن للأمة: كيف يكون الرباط فعل مقاومة؟


تكمل: "يقين واجهت صعوبات قاسية أثناء غيبتي في السجن، وأعتقد أن كونها في التوجيهي وكونها البنت الأكبر في البيت لأن أخواتها اللاتي يكبرنها كُن خارج البلاد يدرسن في جامعاتهن، هذا الوضع فرض عليها ضرورة القيام بمهام البيت والأسرة اليومية بمساعدة والدها.. وكنت أخشى أن يؤثر ذلك في دراستها ولكن بفضل الله وكرمه، أعانها الله وحصلت على تفوق في التوجيهي. وبعد خروجي، الجميع ساندني ودعمني بمن فيهم يقين التي وجدتها وقد أصبحت طالبة جامعية، وفتاة كبيرة ناضجة."

أما التحديات الكبرى التي واجهتها الأسرة، فكانت متعددة، منها الوضع الصحي للأم والخوف من إعادة الاعتقال، إضافة إلى ضغط الزوار والضيوف الذين كانوا يحضرون للمباركة بالحرية طوال أكثر من شهر ونصف: "وضعي الصحي السيء، والخوف من إعادة الاعتقال، وضغط الضيوف من أصدقاء وأقارب ومعارف ممن يحضرون للمباركة بالحرية طوال الوقت ولمدة تزيد عن شهر ونصف، كانت تحديات في البداية."

اعتقال جديد: اقتحام المنزل والاعتقال المزدوج

IMG-20260215-WA0003.jpg

الاعتقال الأخير كان مزدوجًا للأم د.زهرة وابنتها يقين، وحدث بطريقة عنيفة ومروعة. تصف لبنفسج اللحظات الأولى: "الاعتقال هذه المرة رغم أنه كان قصيرًا، إلا أنه مربك جدًا ومخيف.. أولًا، لأنني خرجت من فترة قصيرة من عملية جراحية، ووضعي الصحي ليس على ما يرام بعد، وثانيًا، اقتحام البيت كان عنيفًا جدًا، كسروا الباب الخارجي، واعتدت المجندات على زوجي وبناتي بالضرب بأعقاب البنادق".

تكمل: "قيدونا بقسوة وشدوا القيود البلاستيكية كثيرًا وبصورة مؤذية على يدي. ولم يسمحوا لي بدخول الحمام أو تغيير ملابسي وكان الجو باردًا ماطرًا يومها واضطروني للخروج بملابس رقيقة بقيت أرتجف بردًا حتى عدت إلى البيت في المساء، وحاولوا سحبي للخارج بدون حذاء في قدمي حتى أو حجاب."

"أُجبرنا على البقاء على هذه الوضعيات لفترة طويلة، عن نفسي لمدة 15 ساعة، وبقين ابنتي يقين قرابة 21 ساعة هكذا، بحيث تركت الكلبشات آثارًا مؤلمة على أيدينا. مُنعنا خلالها من استعمال دورة المياه إلا مساءً، وشرب الماء أو الطعام. وعندما كنا نطلب من المجندة أن نذهب للحمام، كانت تشتمنا بشتائم قذرة وتصرخ وتضرب على حديد الكونتينر، وأحيانًا أيضًا كانت تضرب من يطلب ذلك."

الأم وابنتها احتجزتا في كونتينر حديدي صغير بين أسرى رجال، معاملة قاسية ومهينة: "لم نتعرض لأي تحقيق، كان احتجازًا مؤقتًا بأيدي مقيدة وعيون معصوبة في كونتينر حديدي صغير بين أسرى رجال يعانون ما نعاني، جميعنا جالسون أرضًا، على أرضية معدنية خشنة وشديدة البرودة، ممنوعون من الحديث ولو همسًا أو تعديل الجلسة الأرضية".

تضيف: "أُجبرنا على البقاء على هذه الوضعيات لفترة طويلة، عن نفسي لمدة 15 ساعة، وبقين ابنتي يقين قرابة 21 ساعة هكذا، بحيث تركت الكلبشات آثارًا مؤلمة على أيدينا. مُنعنا خلالها من استعمال دورة المياه إلا مساءً، وشرب الماء أو الطعام. وعندما كنا نطلب من المجندة أن نذهب للحمام، كانت تشتمنا بشتائم قذرة وتصرخ وتضرب على حديد الكونتينر، وأحيانًا أيضًا كانت تضرب من يطلب ذلك."

خلال هذا الوقت، أُجرت مكالمة قصيرة من ضابط المنطقة، لكنها لم تكن تحقيقًا رسميًا. حول الاعتداء عليهن، تقول خدرج: "نعم، منذ اللحظات الأولى للاعتقال، أثناء التفتيش قبل مغادرة البيت، وداخل سيارة الجيش التي نقلتنا، وداخل الكونتينر.. طوال ذلك تعرضنا للضرب والإهانة والاعتداء."

الابنة يقين: الطالبة الجامعية

IMG-20260215-WA0002.jpg

يقين عبد اللطيف أبو سفاقة، طالبة هندسة حاسوب سنة ثانية، تتميز بالثقافة والشخصية القوية والنظرة الثاقبة، وهي صاحبة طموح كبير. الأم تصف شعورها خلال الاعتقال: "عندما شاهدت المجندة تقيد يقين بعنف، وتضربها وتعصب عيونها.. اضطربت جدًا.. وهو شيء لا تتمنى أي أم أن تراه أمامها.. أن ترى ابنتها تُعتقل أمامها. ولكني استسلمت لإرادة الله".

تكمل: "استودعتها لله.. ورجوته أن يحفظها. أجلسوها في ناقلة الجند إلى جانبي أرضًا وأخذت المجندات يضربننا طوال الطريق ببساطيرهن، حتى وصلنا إلى معسكر الجيش في صوفين قرب قلقيلية. الحمد لله، أفرج عن يقين بعد 21 ساعة من الاعتقال، رغم رفع دعوى ضدها بزعم أنها تهجمت على المجندة، بينما هي كانت فقط تحاول منع تعرضها للضرب".

د.زهرة خدرج توضح الفرق بين تجربتها السابقة والاعتقال المزدوج الأخير: "الاعتقال هذه المرة أسوأ من الاعتقال الأول، لم أخش على نفسي.. ولكن كنت قلقة جدًا وخائفة على ابنتي.. تذكرت في تلك اللحظات الأسيرات صغيرات السجن اللاتي كانوا يحضروهن للدامون، وغالبًا ما كن طالبات جامعات.. كنت أقول دومًا في نفسي: كان الله في عون أهلهن.. ما أصعب أن تُعتقل البنت من بيت أبيها وأمام ناظري أمها.. ما أقسى ذلك! ولكني كنت أعود فأستسلم لإرادة الله وأحتسب، وأطلب من الله أن يتقبل منا ويغفر لنا ذنوبنا."


اقرأ أيضًا: الأسيرة سالي صدقة: قاصر في مواجهة السجون الإسرائيلية


الاعتقال يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الأسرة بأكملها، خصوصًا على الأب الذي لم يعلم بالاعتقال الأخير إلا بعد مغادرة الجيش للبيت. يصف الأب شعوره: "آذاني ذلك جدًا، ولكن لم يكن بيدي ما أفعله، استودعتها لله.."

"المشكلة أننا ما دمنا واقعون تحت احتلال ظالم، فإن الاعتقال لا يتوقف، ولا يوجد استثناءات.. لا نساء ولا أطفال ولا حتى شيوخ مستثنون منه.. لذلك، لا بد من التعامل معه في حين حدوثه، رغم أنه لا أحد يتمنى هذا الشر لنفسه. لا بد من الثبات، والصبر." وتختتم بالأمل: "كما كانت تقول الأسيرات دومًا في سجن الدامون: ‘باب السجن ما بسكر على حدا’، في إشارة إلى أن مصير جميع الأسرى هو الحرية بإذن الله."

تؤكد المحررة د.زهرة خدرج أنه من يختبر السجن مرة، يحمله معه دومًا.. أسوار السجن وزنازينه لا تنمحي من الذاكرة.. قسوة الحياة فيه تنتهك إنسانية الإنسان وكرامته.. التجويع تعذيب ممنهج، وأداة إخضاع وعقاب، وسحب الملابس والفراش، والرش بالغاز والقمعات، ومهاجمة الزنازين والكثير من الوسائل الأخرى التي تهدف إلى كسر الإنسان من الداخل وإذلاله وتركيعه.. كل ذلك يحفر في الذاكرة أخاديد لا تزول.. تبقى ما بقي الإنسان.