بنفسج

موقد من تعب: كيف يواجه النازحون أزمة الطهي؟

الأحد 10 مايو

شح غاز الطهي في غزة
شح غاز الطهي في غزة

"عمرك ولّعت نار ودمعن عينيك وخنق صدرك؟ …" سؤال لكل من لا يعرف معنى إشعال موقد النار أمام خيمة تتراقص أمام الرياح.  من لم يعش النزوح، لن يفهم كيف يمكن لعائلة كاملة أن تقضي ساعات طويلة وهي تفكر فقط: كيف سنشعل النار اليوم؟ في غزة، لم تعد النار وسيلة للدفء أو الطهو فقط، بل معركة يومية صغيرة نخوضها بأيدٍ متعبة وقلوب مرهقة.

كل صباح يبدأ بالسؤال نفسه: هل بقي شيء يمكن حرقه؟ الحطب غالي. الأطفال يفتشون بين الركام والرجال يجمعون أي قطعة خشب نجت من القصف، والنساء يحتفظن بالكرتون والورق وكأنها أشياء ثمينة. حتى القماش القديم أصبح وقودًا.

أحيانًا نجلس أمام موقد صغير بالكاد يشتعل، ننفخ فيه طويلًا كي لا تنطفئ النار. الدخان يملأ الخيمة بسرعة، يدخل العيون والحلق والرئتين، لكننا نبقى حوله لأن البديل أقسى. الاختناق صار جزءًا من يومياتنا، عيون دامعة، سعال متواصل، وضيق نفس يزداد مع كل ليلة مغلقة.

في الخيام لا توجد تهوية حقيقية كل شيء ضيق متلاصق ومكتظ بالحياة المتعبة. حين نُشعل النار للطهو، يتحول المكان إلى غيمة سوداء. تشعر أحيانًا أن الهواء نفسه يحترق الأطفال يسعلون والنساء يلوّحن بقطع الكرتون لطرد الدخان والوجوه تصبح شاحبة من التعب والحرارة والاختناق.

ومع ذلك، نواصل إشعال النار ليس لأننا نحبها، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر. أتذكر مرة حين لم نجد أي حطب. جمعنا أوراقًا مبتلة قليلًا، وبعض قطع القماش القديمة، وكرتونًا ممزقًا من صندوق مساعدات. أشعلناها بصعوبة، وكانت النار ضعيفة ومتقطعة، لكننا تعاملنا معها كأنها إنجاز كبير. في تلك اللحظة أدركت كيف يمكن للإنسان أن يفرح بشيء كان يعتبره يومًا عاديًا وتافهًا.


اقرأ أيضًا: هل تخافين من الفئران؟ الخوف ترف الخيام


حتى إعداد كوب شاي أصبح يحتاج خطة كاملة. من سيبحث عن الوقود؟ من سيحاول إشعال النار؟ وكم سنحتاج من الوقت حتى يغلي الماء؟ أحيانًا تنطفئ النار قبل أن ينضج الطعام، فنعود للمحاولة من جديد. وأحيانًا نفشل تمامًا، فنأكل أي شيء بارد لأن التعب صار أكبر من قدرتنا على المقاومة.

الأصعب ليس فقط قلة الإمكانيات، بل الإحساس الدائم بالخطر. الخيام سريعة الاشتعال، وكل من يعيش هنا يعرف قصص الحرائق التي بدأت بشرارة صغيرة وانتهت بكارثة. لذلك نبقى خائفين ونحن نستخدم النار، خائفين ونحن نقترب منها، وخائفين حتى بعد إطفائها.

كم مرة استيقظ الناس مذعورين على صراخ مفاجئ: “النار! النار!” في ثوانٍ، تتحول الخيمة إلى فوضى من الركض والهلع ومحاولات النجاة. فالخيمة لا تمنحك وقتًا طويلًا للهروب. ورغم كل هذا، هناك لحظات صغيرة تبدو مؤلمة وجميلة في الوقت نفسه. حين تجتمع العائلة حول نار ضعيفة في ليلة باردة، نشعر كأننا نحاول حماية ما تبقى من إنسانيتنا. النار تصبح مركز الحديث، ومصدر الدفء الوحيد، والشيء الذي يذكّرنا أننا ما زلنا أحياء.

لكن حتى هذا الدفء يحمل وجعًا خفيًا. لأننا نعرف أننا لا يجب أن نعيش هكذا أصلًا. لا يجب أن يصبح الحطب حلمًا، ولا الدخان جزءًا من رئات الأطفال، ولا إشعال النار معركة يومية من أجل البقاء. في غزة، تتغير معاني الأشياء بسرعة. القماش الذي كان يُستخدم للملابس أصبح وقودًا. الكرتون الذي كان يُرمى في القمامة صار وسيلة لطهو الطعام. والنار التي كانت رمزًا للراحة، أصبحت رمزًا للتعب والخوف والصمود معًا.

أحيانًا أنظر إلى أيدي الناس حول النار؛ سوداء من السخام، متشققة من البرد والعمل والانتظار. وأفكر: كم من المعاناة يمكن أن يحتملها الإنسان قبل أن يتعب تمامًا؟ لكن الغريب أن الناس هنا لا يتوقفون عن المحاولة. في كل يوم، تُشعل آلاف النيران الصغيرة داخل الخيام، وكأنها إعلان صامت بأن الحياة ما زالت مستمرة رغم كل شيء. وربما هذه هي الحكاية كلها: نحن لا نبحث عن رفاهية، ولا عن حياة مثالية. نحن فقط نحاول أن نُبقي النار مشتعلة… كي لا تنطفئ أرواحنا معها.