بنفسج

"متى بابا مروح؟".. زوجات الأسرى في مواجهة الأسئلة

الخميس 18 يونيو

زوجات الأسرى في السجون
زوجات الأسرى في السجون

هناك، في غياهب الجب، داخل زنازين مقفرة، لا حياة فيها سوى قهر الرجال وسحق الكرامة الآدمية، يتجلى معنى اللاإنسانية في أبشع صوره وتفاصيله. مشهد ثقيل، يختزل وجعًا يوميًا لا يُرى، ومعاناةً تُمارس بصمت خلف الجدران الصماء. حرفيًا، يسابق الاحتلال الزمن في قتل الأسرى الفلسطينيين ببطء، عبر منظومة من الضغوط النفسية والجسدية؛ تعذيبٌ ممنهج، تجويع، إهمال طبي، وسياسات قمعية لا تتوقف، وليس آخرها قرارات تُنذر بتحويل الاعتقال إلى حكم بالإعدام المؤجل.

في المقابل، يعيش أهالي الأسرى على أحرّ من الجمر، قلوبهم معلّقة خلف تلك القضبان الحديدية والأسوار العالية، يخشون على أبنائهم المعزولين عن العالم الخارجي، ويقاسون مشاعر متراكمة من الحزن والغضب، القهر والعجز. لا يملكون إلا الدعاء… فقط الدعاء. أما صرخاتهم ومناشداتهم للمؤسسات الإنسانية والدولية، فلم تعد تجد صدى يُذكر، رغم تفاقم الانتهاكات ووصولها إلى مستويات صادمة من القسوة.

أولاد الأسير منتصر سقف الحيط: بابا متى مروح؟

IMG-20260618-WA0001.jpg

هذا الواقع عبّرت عنه السيدة زينب، زوجة الأسير منتصر سقف الحيط (43 عامًا) من مدينة نابلس، والتي استنكرت تقصير المؤسسات الدولية وصمت العالم، معتبرة أن الوقوف موقف المتفرج أمام معاناة الأسرى لا يمكن تبريره، في وقت تتطلب فيه قضيتهم تحركًا جادًا وفاعلًا، يضع حدًا لما يتعرضون له من سياسات تنكيلية ممنهجة.

بقهرٍ واضح، تتحدث زينب عن خوفها الكبير على زوجها، المعتقل منذ نحو عامين، والذي لا يزال موقوفًا حتى لحظة إعداد هذا النص، بعد أن جرى اعتقاله عقب استدعائه للمقابلة. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت حياتها إلى دائرة مغلقة من الانتظار والترقب. تستيقظ زينب كل صباح، وتمتد يدها مباشرة إلى هاتفها المحمول، تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن أي خبر جديد يتعلق بالأسرى. يومها يبدأ وينتهي على هذا الإيقاع؛ ترقبٌ دائم، وقلقٌ لا يهدأ.

تحاول، بما استطاعت، أن تؤدي دور الأب الغائب، وأن توازن في تربية أطفالها بين حزم الأب وحنان الأم. لكن الأسئلة اليومية لأطفالها الأربعة لا تتوقف: "متى سيأتي بابا؟". غيابه حاضر في كل تفاصيل حياتهم، وهو ما يشكّل أحد أقسى أوجه المعاناة بالنسبة لها، خاصة في ظل اعتقال بلا سقف زمني واضح.
لا تخفي زينب اشتياقها العميق لزوجها، ولا شعورها بالوحدة في مواجهة أعباء الحياة، لكنها تتمسك بإيمانها، وتجد في معية الله ما يعينها على الصبر والاحتساب.


اقرأ أيضًا: سجن الدامون: ما خفي عن التغطية


يُذكر أن منتصر سبق أن اعتُقل لعدة سنوات، كما قضى فترة اعتقال في سجون السلطة الفلسطينية، في تجربة تضيف إلى معاناته أبعادًا أخرى من القهر. وعن آخر ما وصل العائلة من معلومات، تقول زينب: "آخر معلومة وصلتنا أنه في سجن عوفر، ويعاني من انزلاق غضروفي في الظهر، إضافة إلى أزمة صدرية (ربو)". هذا الواقع الصحي يزيد من مخاوفها، خاصة في ظل ما يُعرف عن أوضاع السجون من إهمال طبي ونقص في أبسط مقومات الرعاية.

في ظل هذه المعطيات، تبدو تجربة الاعتقال وكأنها مسار نحو إعدام بطيء، تُستخدم فيه مختلف الوسائل. وتزداد قسوة هذه الصورة مع الشهادات التي يدلي بها الأسرى المحررون عن واقع السجون، وهي شهادات تترك أثرًا نفسيًا بالغًا على أهالي الأسرى، الذين يعيشون في حالة ترقب دائم لأي خبر—حتى وإن كان مؤلمًا. تقول زينب: "أخبار الأسرى كثير بتأثر على حياتنا، إحنا بكل لحظة بنترقب نسمع أي خبر سيء، لكن بصبر حالي إنه ربنا معنا، وإنه هذا ابتلاء، وإن شاء الله نكون من الصابرين المحتسبين".

زوجة الأسير محمد مرعي: الاعتقال الإداري كابوس

IMG-20260618-WA0002.jpg

ولا تختلف حال السيدة رؤى، زوجة الأسير محمد سامي مرعي (40 عامًا) من بلدة يعبد قضاء جنين، كثيرًا عن زينب. القلق يلازمها، والمعلومات التي تصلها عن زوجها المعتقل في سجن عوفر شحيحة، بالكاد تخفف من وطأة القلق، بينما تتزايد المخاوف من الأوضاع الصحية والمعيشية داخل السجون.
تقول رؤى: "الخوف الأكبر من إصابته بأمراض، الله يعافيه، لأن السجون تفتقر لأدنى مقومات الحياة".

تستعيد رؤى لحظة اعتقال زوجها، والتي وقعت في ثالث أيام شهر رمضان، عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، حين اقتحمت قوات الاحتلال منزلهم، وعاثت فيه تخريبًا وتكسيرًا، ولم تسلم حتى غرفة الأطفال وألعابهم من هذا العبث. تقول: "دمروا وكسروا في بيتنا وبيت والد محمد، واحتجزوني أنا والأطفال وعائلته في غرفة لمدة ساعة ونصف، قبل أن يعصبوا عينيه ويقتادوه".


اقرأ أيضًا: مراد الرجوب محررًا في وفاء الأحرار.. مبعدًا إلى غزة شهيدًا فيها


ثلاثة أطفال—ابنتان وولد—هم ثمرة هذا الزواج، ويعيشون اليوم فراغًا قاسيًا في غياب الأب. أصغرهم، سامي (عام ونصف)، لا يزال ينادي والده يوميًا، ويحدّث صوره ومقاطع الفيديو وكأنه حاضر. أما بيسان، ذات السبع سنوات، فقد مرّ عيد ميلادها هذا العام—الذي يصادف يوم الأسير الفلسطيني—مختلفًا تمامًا، خاليًا من حضور والدها.

كعائلة أسير، لا تطالب رؤى إلا بحقها الطبيعي: عودة زوجها سالمًا. تناشد كل من يستطيع التدخل لتحسين ظروف الاعتقال، والسماح بالتواصل والزيارات، والمتابعة الجادة لأوضاع الأسرى. كما تطالب بحمايتهم من الانتهاكات، وإنهاء ملف الاعتقال الإداري، الذي يظل سيفًا مسلطًا على رقاب الآلاف. يُذكر أن محمد اعتُقل سابقًا خلال دراسته الجامعية، وقضى فترات اعتقال متعددة، وتعرض خلال السنوات الماضية لمضايقات واستدعاءات وتهديدات مستمرة.

ورغم كل ذلك، تمضي رؤى أيامها بالصبر والاحتساب، ولسانها لا يفتر عن الدعاء بأن يُفرج الله عن زوجها، ويثبّته في محنته، وأن يأتي اليوم الذي تراه فيه حرًا بين أبنائه. هكذا تمضي الأيام خلف القضبان وخارجها؛ أسرى ينتظرون الحرية، وعائلات تنتظرهم… بين ألمٍ لا يُروى كاملًا، وأملٍ لا ينطفئ.