بنفسج

أثر الفراشة: الوجه الآخر لحياة الإنسان

الأحد 19 يوليو

الواقع في غزة
الواقع في غزة

لا أحد ينظر إلى الفراشة ويتذكر أنها كانت يومًا سجينة. نراها تحط على زهرة، أو تعبر حديقة بخفة كوميضٍ عابر، فنحسب أن حياتها بدأت هناك؛ عند الضوء، وبين الألوان، وفي الهواء المفتوح. لكن الحقيقة أبعد من ذلك. فالفراشة لم تولد فراشة، بل بدأت حياتها كائنًا صغيرًا يزحف على الأرض، لا يعرف من العالم إلا ما يلامسه جسده. ثم انسحبت إلى شرنقة ضيقة، وأغلقت على نفسها بابًا لا نافذة فيه، وقضت زمنًا في عزلة كاملة، كأنها تُدفن وهي ما تزال حيّة. وحين خرجت أخيرًا، لم تأخذ معها شرنقتها، ولم تلتفت إليها، بل تركتها خلفها ومضت.

كلما تأملت هذه الرحلة، شعرت أن الشرنقة ليست مرحلة في حياة فراشة فحسب، بل وجهًا آخر لحياة الإنسان. فما أكثر الشرانق التي نجد أنفسنا داخلها؛ المرض، والخوف، والفقد، والانتظار، والوحدة، والعادات التي تتحول ببطء إلى قيود. هناك، يضيق العالم حتى نظن أنه انتهى، ثم نكتشف بعد زمن أن ذلك الضيق نفسه كان يعيد تشكيل ذواتنا.

لهذا، كلما رأيت فراشة، تذكرت عمي الذي أقام أشهرًا طويلة في غرفة المستشفى. كانت الأجهزة تحيط به، والدواء يقسم نهاره إلى مواعيد صباحية، ومسائية، وليلية. قال لي مرة، وهو ينظر إلى الأفق عبر النافذة: “لم تعد هذه الغرفة مكانًا للعلاج، بل مكانًا أنتظر فيه أن تنتهي آخر أيامي.” بقيت كلماته عالقة في ذهني. لم يكن يخشى الموت بقدر ما كان يخشى أن تنقضي حياته وهو ينتظر أن تبدأ.

ثم جاء صباح أخبره فيه الطبيب أن المرض لم يترك له وقتًا طويلًا ليعيشه. ظننا جميعًا أنه سيتشبث بكل جرعة دواء، لكنه فعل العكس. خرج من الغرفة، وترك خلفه ما استطاع أن يتركه، ومضى يبحث عن الأيام التي كان يؤجلها، وعن الأحلام التي نسيها وراء مشاغل الحياة.

صحبته في آخر أيامه. كان يجلس أمام البحر ساعات طويلة، يكتفي بالنظر إلى الموج، كأن بينهما حديثًا لا يحتاج إلى كلمات. كان يزور أصدقاءه القدامى، ويمشي في الشوارع بلا وجهة، ويتوقف أمام أشجار لم يكن يلحظها من قبل. وأذكر أنه كان يبتسم كثيرًا؛ ابتسامة هادئة لا تشبه انتصارًا، بل تشبه مصالحة متأخرة.

سألته يومًا: ما الذي تغيّر؟ فقال: “أريد أن أموت حرًا من قيودي، ومن ثقل جسدي.” ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى الفراشة بالطريقة نفسها. أتخيل لحظتها الأولى بعد الخروج من الشرنقة. هل تعرف أن لها جناحين؟ أم أنها، مثلنا، لا تكتشف ما تستطيع فعله إلا حين تضطر إلى المحاولة، أو تبحث عن النجاة؟


اقرأ أيضًا: مستقبلًا مشوهًا.. ويبقى السؤال معلقًا: هل سنحيا إلى الغد؟


ربما كانت رفرفتها الأولى مترددة، وربما ارتجفت قليلًا قبل أن تستقر في الهواء. لا أحد يعرف. لكن الإنسان يعرف هذا الشعور جيدًا؛ أن يقف على حافة حياة جديدة، وهو غير واثق من نفسه تمامًا، فيدفع بما يختزنه من قوة إلى الخارج، حتى يولد من جديد. ونحن أيضًا نغفل عن الطريق. ننظر إلى النتيجة، وننسى الخطوات التي سبقتها. نرى ابتسامة إنسان، ولا نعرف كم ليلة عاشها بلا نوم، وكم دمعة ذرفها قبلها. نرى نجاحًا، ولا نرى التعب الذي سبقه. نرى الأجنحة، ولا نرى ولادتها.

ولعل هذا ما يجعل الفراشة لا تتعلق بشيء. تحط على زهرة ثم تمضي، وتستريح فوق غصن ثم تكمل رحلتها، كأنها تعرف أن بعض الأشياء خُلقت لنمر بها، لا لنحتفظ بها. ولطالما وصفها الناس بالطيش، لكنني لم أرها كذلك. أرى في رفرفتها شيئًا من ارتباك البدايات؛ ذلك الارتباك الذي يصيب الإنسان حين يخرج من ضيق لازمه زمنًا طويلًا، فيخاف ويتراجع، ثم ينطلق أخيرًا. فالحرية لا يُتقن عيشها الإنسان من اللحظة الأولى، بل تحتاج إلى جرأة في انتزاعها. فمن اعتاد الجدران يحتاج وقتًا ليرى اتساع السماء.

وأعود إلى ذلك الرجل؛ عمي. أدركت بعد رحيله أن المرض لم يكن سجنه الوحيد. كان يؤجل الحياة دائمًا؛ إلى أن يشفى، وإلى أن تتحسن ظروفه، وإلى أن يأتي الوقت المناسب. لكن الوقت المناسب لم يأتِ أبدًا، فجاءت النهاية راكضة نحوه. لم يعش طويلًا بعد خروجه من المستشفى. ومع ذلك، كلما تذكرته، لا أتذكر المرض، بل أتذكره جالسًا أمام البحر.

ربما لا تتذكر الفراشة شرنقتها؛ لأنها خُلقت لتطير. أما نحن، فربما نحتاج أن نتذكر شرانقنا أحيانًا، لا لنبقى فيها، ولا لنحزن على ما كان، بل كي لا ننسى الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. والفراشة أيضًا ترمز إلى الجمال الحزين؛ ذلك الجمال الذي يذوي سريعًا ويعيش عمرًا قصيرًا، لكنه يترك أثرًا أطول من عمره. يسعد الناس برؤيتها، ويلاحقون رفرفتها، ويفرحون إن حطت على أكتافهم أو دخلت بيوتهم، ثم تمضي، ويبقى أثرها في النفوس.

غريب… كيف تستطيع أسابيع قليلة أن تمنح الإنسان حياة كاملة، بينما تمر سنوات طويلة وكأنها لم تُعش أصلًا؟ ومنذ ذلك الحين، كلما رأيت فراشة، لا أفكر في جناحيها أولًا، ولا في ألوانها، بل في الشرنقة التي خرجت منها، وفي الرجل الذي غادر غرفته للمرة الأخيرة. لم يُشفَ جسده، لكن روحه برئت أخيرًا من خوفها وسجنها.

ربما لا تتذكر الفراشة شرنقتها؛ لأنها خُلقت لتطير. أما نحن، فربما نحتاج أن نتذكر شرانقنا أحيانًا، لا لنبقى فيها، ولا لنحزن على ما كان، بل كي لا ننسى الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. والفراشة أيضًا ترمز إلى الجمال الحزين؛ ذلك الجمال الذي يذوي سريعًا ويعيش عمرًا قصيرًا، لكنه يترك أثرًا أطول من عمره. يسعد الناس برؤيتها، ويلاحقون رفرفتها، ويفرحون إن حطت على أكتافهم أو دخلت بيوتهم، ثم تمضي، ويبقى أثرها في النفوس. وربما، كلما مر الإنسان بضائقة، تذكر مشهدًا جميلًا رأته عيناه يومًا، فيخف عنه شيء من ثقل الحياة.

وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في معنى الجمال. ما الجمال؟ ولماذا خُلق؟ وهل نحن أنانيون حين نقطف أثره لأنفسنا، ونستضيء به، دون أن نفكر في المخاضات التي عاشها ليغدو جميلًا بهذا الشكل؟ نرى الفراشة فنحاول أن نستأثر بها، ونفرح إن اقتربت منا، لكننا نادرًا ما نفكر في ثمن هذا الجمال؛ عمر قصير، ورحلة خاطفة، ورسالة صامتة لإسعاد الآخرين.

وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل عن عمر الفراشة، بل عن الأثر الذي تتركه فيمن يراها. فليست قيمة الجمال في بقائه، بل في قدرته على أن يوقظ فينا شيئًا كان نائمًا؛ أن يذكرنا بأن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام، وإنما بما امتلأت به من حضور، ودهشة، وحرية.