بنفسج

ما تبقى فينا بعد صافرة النهاية: مصر عروبة وبطولة وانتصار لفلسطين

الأحد 19 يوليو

حسام حسن مدرب المنتخب المصري
حسام حسن مدرب المنتخب المصري

على الورق، لكل شيء حساباته. منتخباتٌ تدخل البطولة وهي تحمل تاريخًا طويلًا، ونجومًا بملايين الدولارات، ودوريات تُصنع فيها الأسماء الكبرى. ومنتخباتٌ أخرى تصل وهي تعرف أن العالم لا ينتظر منها الكثير، أن وجودها بحد ذاته يُعامل أحيانًا كإنجاز، وأن مهمتها الأولى ليست المنافسة بل المشاركة. لكن كرة القدم، في كل مرة، تعود لتفسد يقين الأقوياء. فلا مكان للرأس الأخضر في حسابات من اعتادوا أن تكون الأدوار الأولى محجوزة للكبار، ولا يُفترض لمنتخبٍ خرج من دولة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة أن يقف ندًا أمام عمالقة اللعبة.

ولا مكان لمصر في حسابات من اعتادوا اختزال المجد الكروي بين أوروبا وأمريكا الجنوبية. ولا مكان لفلسطين أصلًا في مشهدٍ عالمي تحاول السياسة أحيانًا أن تجعل حضورها فيه هامشيًا أو صامتًا.  لكن ما يجعل كرة القدم مختلفة عن بقية الألعاب أنها لا تعترف دائمًا بما يُكتب قبل البداية. ذلك هو سر اللعبة الأكثر شعبية في العالم، أنها تمنح من لا يملك القوة فرصةً مؤقتة ليقف أمام من يملكها.

تمنح الفقير تسعين دقيقة ليُحاكم الأغنياء، وتمنح الشعوب التي أُريد لها أن تبقى في الهامش لحظة تقول فيها: نحن هنا. ولعل هذا ما جعل الفلسطيني يرى نفسه في تلك المنتخبات أكثر مما رأى نفسه في كثير من أبطال العالم. لم يكن يبحث فقط عن نتيجة مباراة، كان يبحث عن معنى.
 
الفلسطيني لا يشجع النتائج فقط.. بل يشجع الحكايات

IMG-20260708-WA0034.jpg

في الوقت الذي كانت فيه غزة تعيش واحدة من أقسى مراحلها، وبينما كانت صور الدمار والموت تملأ الشاشات، كانت شاشات أخرى تعرض مباريات كرة القدم. قد يبدو المشهد متناقضًا: كيف لشعبٍ يعيش الحرب أن يتعلق بلعبة تُقام بعيدًا عنه؟ لكن الإنسان في أكثر لحظاته ألمًا لا يبحث فقط عن النجاة، بل يبحث عن مساحة صغيرة يشعر فيها أن الحياة لم تُهزم بالكامل.

لهذا لم تكن كرة القدم بالنسبة للفلسطيني هروبًا من الواقع بقدر ما كانت استراحة قصيرة من ثقل الواقع، ومساحة يرى فيها شيئًا افتقده طويلًا: قواعد واضحة، وعدالة مؤقتة، وفرصة لا تُحسم فيها النتيجة فقط بمنطق القوة. داخل الملعب، يمكن لفريق صغير أن يوقف فريقًا كبيرًا. يمكن للاعب قادم من مكان بعيد أن يقف أمام نجم عالمي.

يمكن لمن لا يملك التاريخ الطويل أن يكتب لحظته الخاصة. وهذا بالضبط ما يعرفه الفلسطيني. يعرف معنى أن يُقال لك إنك أضعف من أن تحلم. يعرف معنى أن تُقاس فقط بحجم إمكاناتك لا بحجم إرادتك. ولهذا لم يكن غريبًا أن يجد نفسه في قصص المنتخبات الصغيرة كما يسمونها، في الرأس الأخضر، وفي كل فريق دخل الملعب وهو يعرف أن الأرقام ضده، لكنه قرر أن يلعب حتى النهاية. فهي ليست فقط قصص كرة قدم. إنها قصص شعوب ترفض أن تُختصر في تصنيف.

ليست معركة كرة قدم فقط: بل معركة رواية

IMG-20260708-WA0032.jpg

تحاول المؤسسات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، تقديم اللعبة بوصفها مساحة منفصلة عن السياسة، عالمًا محايدًا يجتمع فيه الجميع بعيدًا عن الحروب والصراعات. لكن الواقع يكشف أن كرة القدم لم تكن يومًا خارج العالم. فالمنتخبات تحمل هويات شعوبها، والأعلام تحمل ذاكرة البلدان، واللاعبون لا يدخلون الملعب مجردين من تجاربهم الإنسانية!

ولهذا تصبح بعض اللحظات الصغيرة أكبر من حجمها الرياضي. حين يُرفع علم فلسطين في المدرجات، حين يعلن لاعب تضامنه مع أطفال غزة، حين يختار أحدهم أن يتحدث عن شعب يعيش الحرب. فجأة لا تعود المسألة مجرد تعبير إنساني، بل تتحول إلى نقاش سياسي عالمي. وهنا تظهر المفارقة: في الوقت الذي يُطلب فيه من الرياضة أن تكون "بعيدة عن السياسة"، تصبح بعض المواقف الإنسانية نفسها سببًا للجدل والهجوم.


اقرأ أيضًا: مونديال قطر: شعوب تتلف حول الكرة وفلسطين


منذ تأسيسها عام 1904، رفعت الفيفا شعار أن كرة القدم قادرة على توحيد العالم. ومع مرور العقود، تحولت من اتحاد رياضي إلى مؤسسة عالمية ضخمة تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وإعلاميًا وسياسيًا واسعًا. لكن كلما توسع النفوذ، ظهرت أسئلة أكبر حول معنى الحياد! فكرة القدم لا تُلعب فقط داخل المستطيل الأخضر. فهي مرتبطة بالهوية، والتمثيل، وصورة الشعوب أمام العالم. وفي الحالة الفلسطينية، لم يكن الملعب يومًا منفصلًا عن الصراع على الوجود والرواية.

منذ بدايات القرن الماضي، ارتبطت كرة القدم في فلسطين بسؤال أساسي: من يملك حق تمثيل هذه الأرض؟ لم يكن المنتخب مجرد مجموعة لاعبين يرتدون قميصًا، كان إعلان حضور. وكانت المشاركة الرياضية جزءًا من معركة أوسع لإثبات أن هناك شعبًا يريد أن يُرى باسمه وصوته وهويته.
 

حين وصلت الحرب إلى الملعب

IMG-20260708-WA0036.jpg

في غزة، لم تتوقف الحرب عند المنازل والشوارع. وصلت إلى الرياضة أيضًا. الملاعب التي كانت أماكن للأطفال والشباب والحلم، تحولت إلى جزء من مشهد الدمار. لاعبون فقدوا حياتهم. رياضيون فقدوا بيوتهم. منشآت رياضية خرجت من الخدمة. لكن الخسارة لم تكن فقط في الحجر، فالملعب ليس مجرد مساحة للعب، إنه مكان يولد فيه الحلم! ومكان يختبر فيه الطفل للمرة الأولى معنى المنافسة والانتماء. ولهذا فإن تدمير الرياضة يعني استهداف جزء من الحياة الطبيعية التي يحاول الفلسطينيون الحفاظ عليها وسط ظروف غير طبيعية.
 
في السنوات الأخيرة، تحولت رمزية العلم الفلسطيني في الملاعب العالمية إلى واحدة من أكثر الصور حضورًا وذلك بعد أن فضحت الصور الهمجية التي يتم التعامل بها مع الشعب الفلسطيني، بعد أن صدقه العالم وآمن بأن لهذا الشعب حق جلي، وأن الظلم الذي يناله لا يمكن من بشاعته أن يبقى حبيس الحدود فيه كما أرادوه لعشرات السنين. الرموز لا تُقاس بحجمها، العلم الذي يرفعه شخص واحد قد يحمل خلفه تاريخ شعب كامل! ولهذا أصبحت لحظات التضامن مع فلسطين داخل الملاعب تتجاوز أصحابها.

من بين هذه اللحظات، برز ظهور النجم الشاب لامين يامال وهو يحمل العلم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة بلقب الدوري الإسباني، وهي صورة أثارت نقاشًا واسعًا وانتقادات من شخصيات إسرائيلية. لم يكن يامال سياسيًا، ولم يكن صاحب قرار. كان لاعبًا شابًا في بداية مسيرته، لكن في عالم الصورة السريعة، أصبحت الرموز أقوى من أصحابها أحيانًا.
 

IMG-20260708-WA0031.jpg
فلم تعد القضية فقط: ماذا قال اللاعب؟ بل: ماذا يمثل ظهوره؟ وبالنسبة للفلسطينيين، لم تكن الصورة مجرد لاعب يحمل علمًا.. كانت لحظة شعور بأن قضيتهم ما زالت قادرة على الوصول إلى أكبر المنصات العالمية، كان لها أثرًا نفسياً عميقًا عليهم ظهر بتفاعلهم مع المشهد وبنشره والإيشاد به حتى وصل الأمر لرسم صورة هذا الشاب اليافع على جدران غزة المهدمة.

أحد أكبر الأسئلة التي تواجه المؤسسات الرياضية الدولية اليوم هو سؤال المعايير. فعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، اتخذت الفيفا إجراءات ضد روسيا تضمنت تعليق مشاركات ومنع استخدام الرموز الوطنية في المنافسات. أما في حالة الحرب على غزة، فقد رأى منتقدون أن المؤسسة نفسها لم تتخذ إجراءات مماثلة، رغم حجم الدمار الذي أصاب القطاع الرياضي الفلسطيني، وسقوط عدد كبير من الرياضيين، وتدمير منشآت رياضية.

وهنا لم يعد السؤال متعلقًا بكرة القدم وحدها، فمفهوم العدالة قد انهار.. هل القواعد نفسها تُطبق على الجميع؟ هل تعتمد المواقف الرياضية على المبادئ فقط، أم تتأثر أيضًا بموازين القوة والسياسة؟ بالنسبة للفلسطيني، هذا السؤال ليس نقاشًا نظريًا، إنه جزء من تجربته اليومية مع العالم بأسره، هو يعرف الإجابات لكنه ينتظر إدراك العالم لها.
 
حين تخسر المؤسسات، وتنتصر الحكايات

IMG-20260708-WA0021.jpg

ربما تستطيع المؤسسات الكبرى التحكم بالبطولات، والعقوبات، وجدول المباريات! لكنها لا تستطيع التحكم بما يشعر به الناس، لا تستطيع منع طفل من رؤية منتخب صغير يقاتل حتى النهاية، ولا تستطيع محو أثر مدربٍ يرفع علمًا، ولا تستطيع إلغاء لحظة يشعر فيها شعبٌ بأن أحدًا ما رآه. ولهذا لن تكون أجمل لحظات المونديال تلك التي سيحمل فيها أحدهم الكأس، إنها تلك اللحظات التي وقف فيها فريق صغير أمام قوة كبرى وأجبرها على بذل كل شيء حتى صافرة النهاية.

وستكون أيضًا كل لحظة يظهر فيها علم فلسطين رغم محاولات إبعاده، وكل مرة اختار فيها لاعب أو مدرب أن يتحدث عن الإنسان قبل السياسة.. فكرة القدم في جوهرها لم تكن يومًا أن ينتصر الأقوى دائمًا، بل أن يبقى الطرف الأضعف وفق تقييمهم مؤمنًا بأن المباراة لم تنتهِ بعد. وربما لهذا السبب أحبها الفلسطينيون.. لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم أن التاريخ لا يكتبه دائمًا أصحاب التصنيف الأول، أحيانًا يكتبه أولئك الذين يرفضون مغادرة الملعب.. حتى عندما تبدو النتيجة محسومة.