بنفسج

الأسرى المحررون: بين الوفاء لزوجاتهم وتحديات ما بعد الحرية

الجمعة 31 يوليو

الأسرى المحررون تحديات ما بعد الاعتقال
الأسرى المحررون تحديات ما بعد الاعتقال

قد تكون حرية الأسرى المحررين _التي تبدو للناس نهاية الحكاية_ بدايةً لفصلٍ جديد من الألم، له ولعائلته على حد سواء. فبعض الأسرى المحررين وجدوا أنفسهم في منفًى قسري، بعيدين عن زوجاتهم وأولادهم بعدما منعهم الاحتلال من الالتحاق بهم. إضافة لزوجات الأسرى اللواتي اخترن الزواج بهم خلال وجودهم في السجن، وارتضين ربط أعمارهن معهم مهما كانت النتائج، وحرمانهن من السفر إلى أزواجهن في المنفى، حوّل حياتهم إلى شكل آخر من أشكال الأسر.

حين تقرر زوجة الأسير ربط مصيرها بمؤبده أو بحكمه المرتفع، وتقرر خطيبة الأسير اختياره من بين كل الرجال كي تكون له ظله في الخارج حتى حريته، وشريكة قدره، متحدية المجتمع الذي انقسم بين مؤيد ومعارض، فهي تدرك أنّ هذا الارتباط المقدس شكلًا من أشكال المقاومة، ومساهمة منها في إسناد من يحاول الاحتلال قتلهم ببطء في سجونه، مما جعلها محط إعجاب كثير من نساء العالم، اللواتي اعتبرنها نموذج تضحيةٍ فوق مستوى الاستيعاب.

في خضم المصير القسري الذي يفرضه الاحتلال بمنع زوجات الأسرى المحررين من الوصول إليهم، تبرز قضية شديدة الحساسية، وهي زواج بعض الأسرى المحررين مرة ثانية في بلد إقامتهم. وما أن يعلن هذا الزواج حتى تنقسم الآراء؛ فهناك من يراه حقًا شرعيًا وإنسانيًا ومنطقيًا لرجل يعيش العزلة في إبعاده ولحاجته الملحة للعائلة والاستقرار، وهناك من يراه خذلانًا لزوجة وخطيبة أفنت سنوات عمرها في الانتظار، وواجهت وحدها أعباء الحياة وتحدت المجتمع بأكمله، وربت المتزوجة منهن أبنائها على الصورة المثالية للأب الغائب الذي لم تتخلّ عنه يومًا.

ورغم أنّ الاحتلال هو من وضع هذه العائلات أمام هذا المصير، فهو الذي سجن، وهو الذي أبعد، وهو الذي فرق العائلات، حتى أصبح لمّ الشمل امتياز يمنح وفق اعتبارات سياسية، وغالبًا ما يتم إبعاد الزوجات أيضًا كضريبة قبولها بزوجها الأسير المحرر، ولكن هذا لا يعطي المبرر له بأن يضعف أمام أول تحدٍ يقابله في الحرية، ويدير ظهره لشريكته في سنوات الانتظار، أو لمن رفضت كل الرجال واختارته في سجنه من بينهم لتكون أنيسة سنوات أسره، فهل تحطم مفهوم الوفاء أمام أول عقبة طريق في الحرية!؟


اقرأ أيضًا: مصطلحات من قلب السجون


إنّ زوجة الأسير المحرر أو خطيبته ليست شخصية هامشية في قصة بطولته، بل هي شريكة نضال دفعت عمرها وصحتها وأحلامها ثمنًا للأسر، كثيرات وقفن في طابور الزيارة وتحملن عناء رحلتها، وتعرضن للتفتيش العاري وتحملن إهانات السجان، وحافظن على بيت زوجهن وأبنائه في غيابه، وأبقينه مفتوحًا وحافظن عليه من الانهيار، واخترن هذا المصير في وقت كان بإمكانهن أن يرسمن لأنفسهن حياة أكثر استقرارًا، لذلك فإن أي قرار يتعلق بالعائلة يجب أن يضع هذه التضحيات في عين الاعتبار، لا على هامشه.

لا بدّ أن نسمع في هذه القضية أقوالًا مغايرة، فالرأي الآخر يعتبر أنّ واقع الأسير المحرر في المنفى قاسٍ، ولا يمكنه أن يعيش دون أفق واضح على أمل لمْ الشمل المستقبلي، بينما تتقدم به السن في ظل حياة تفرض احتياجاتها على كافة الأصعدة، النفسية والاجتماعية والإنسانية، وتجاهل هذه الحقيقة لا يقل أهمية عن تجاهل تضحيات المرأة التي ارتبطت به.

في ظل هذا التحدي يأتي الاختبار الحقيقيّ للوفاء؛ فالوفاء رابط عهدٍ يجمع اثنين في الرخاء والشدة، ويبقي القلوب متحدة رغم بعد المسافات، وثقل الأيام والأحداث، وتأتي المحن لتختبر هذا الوفاء بينهما. فالوفاء لا يبنى بين يومٍ وليلة بل يبنى بالصبر، والانتظار، والتحمل، وحفظ الغياب كما يحفظ الحضور، وأن تظل صورة الآخر في القلب والفكر كما تركها، لا تغيّره ولا تبدله نوائب الدهر مهما بلغت، وأن يبقى بينهما الدعاء عادة، والاطمئنان حاجة، والحرص واجب.

يبقى الوفاء قيمة عظيمة كانت ستزيد الأسير المحرر قيمة كبيرة لو تمسك بنصفه الآخر مهما كان ظرفه. وبينما يرى البعض أنّ الأسير المحرر يستحق العيش تحت سقف استقرارٍ عائلي، يرى آخرون أنّ الشريكة التي انتظرته تستحق ألّا يتحول صبرها إلى ثمن تدفعه وحدها. وبين هذا وذاك يبقى الاحتلال هو المسؤول الأول عن مالات القصص  التي كان يمكن أن يكتب لها نهاية سعيدة تشهد التحام شريكين جمعهما الأسر والحرية لباقي العمر.

وفي حالة الأسير المحرر لا بدّ من إعادة برمجة إعداداته وضبط مفهوم الوفاء من جديد، وأن لا تصبح حريته واحتياجاته سببًا في التخلي، فمن استطاع صبر سنوات وعقود لا يليق به التخلي عند أول نفس ٍ في حريته، رغم وجود حالات استثنائية وقليلة جدًا رفضن ربط مصيرهن بمصير أزواجهن المبعدين، وتمسكن بالوطن كقناعة مطلقة بالانتماء، ولكن تبقى الظاهرة الأوسع تتعلق بتفرّد الأسير المحرر بقرار الانفصال، مما يضع شريكته في حالة صدمةٍ موجعة.

لا يشبه الأسير ومن ارتضاها شريكة حياة أيّ ثنائيٍ آخر، فحين اختارت الشريكة التضحية والقبول بواقع الأسير ومصيره المجهول، فهي رأت فيه وطنًا يستحق التضحية، ومشروع مقاومة للاحتلال يتصل بتاريخ نضاله، ورأته كتفًا لا يميل وقلبًا لا يستبدله الزمن، وبقيت إلى جانبه حين ضاقت السُبل، واشتدت المحن وطال الانتظار. يقال إنّ العلاقات التي يسكنها الوفاء عصيّة على الانكسار، وعلى كل أسير محرر في منفاه أو أرضه قبل اختيار أخرى، أن يعلم بأنه كسر قلب امرأة ينحني العالم أمام تجاعيدها الشاهدة على الثبات والحب والعطاء، وأنه حكم عليها بالموت وهي على قيد الحياة.

وفي الختام، يبقى الوفاء قيمة عظيمة كانت ستزيد الأسير المحرر قيمة كبيرة لو تمسك بنصفه الآخر مهما كان ظرفه. وبينما يرى البعض أنّ الأسير المحرر يستحق العيش تحت سقف استقرارٍ عائلي، يرى آخرون أنّ الشريكة التي انتظرته تستحق ألّا يتحول صبرها إلى ثمن تدفعه وحدها. وبين هذا وذاك يبقى الاحتلال هو المسؤول الأول عن مالات القصص  التي كان يمكن أن يكتب لها نهاية سعيدة تشهد التحام شريكين جمعهما الأسر والحرية لباقي العمر.