لم تكن ليلة السادس والعشرين من أغسطس/آب الجاري كأي ليلة أخرى في حياة الأسيرة سندس خالد لفداوي البالغة من العمر 33 عامًا، بل كانت أطول من أن تُقاس بساعاتها، وأثقل من أن يغمض لها فيها جفن.
عشية يوم الإفراج، أبى النوم أن يطرق باب عيني سندس، ابنة مدينة طولكرم، فيما ظل عقلها مشغولًا بتفاصيل اللحظة التي تتوق فيها للخروج من مقابر الأحياء إلى الحياة؛ وكأنه يوم بعث جديد، حيث الفضاء الواسع الذي لا جدران فيه، ونور الشمس، والهواء النقي، والتفاصيل الصغيرة والنعم الكثيرة التي لم تكن تدرك قيمتها بعدما ذاقت الأمرّين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
أسئلة كثيرة راحت تتزاحم في ذهنها: من سيكون بانتظارها؟ كيف سيكون اللقاء ببناتها الأربع؟ من ستحتضن أولًا؟ وكيف سيكون وقع رؤيتها على بناتها؟ وهل ستتقبلها صغيرتها سارة؟ كانت ليلة طويلة على سندس، اختلط فيها الفرح بالقلق، وتثاقل فيها الوقت حتى بدا انتظار الصباح كأنه دهر لا ينتهي، وهي تترقب بشوق ولهفة لحظة الإفراج.
نجوت من مقبرة

تواصلنا في بنفسج مع المحررة سندس، للحديث عن تفاصيل تجربة الأسر، وتسليط الضوء على ما عاشته خلال فترة اعتقالها التي بلغت ستة أشهر ونصف. وعن أولى لحظات الحرية، بدأنا الحديث معها، فوصفتها قائلة: “في لحظة الحرية، شعرتُ أنني بُعثتُ من مقبرةٍ كانت تنهش بأرواحنا قبل أجسادنا. حمدتُ الله أنني لا زلت تحت سمائه الممتدة الواسعة الخالية من القضبان والأسلاك”.
وكانت قوات الاحتلال قد أفرجت عن الأسيرة سندس لفداوي عبر معبر سالم العسكري، لتطوي بذلك فصلًا من القهر والذل والحرمان، وتبدأ، بفضل الله، أولى خطواتها نحو الحرية. على الحاجز هناك، كان زوجها الأسير المحرر محمد الهمشري بانتظارها، ومعه بناتها الأربع: ريحانة، وبيسان، وشام، وآخر العنقود سارة، وعدد من أفراد عائلتها الذين ظلوا يعدّون الأيام شوقًا وقلقًا عليها.
اقرأ أيضًا: علا قطشيات: أصغر أسيرة في السجون
تنسمت سندس هواء الحرية، لكنها أبقت قلبها عند نحو 90 أسيرة في سجن الدامون، أقدمهن الأسيرة شاتيلا أبو عيادة، في ظروف غاية في السوء على كافة الأصعدة. تقول سندس: “ظروف السجن قاسية جدًا على تسعين أسيرة موزعات على 12 غرفة، بالأحرى زنزانة، تفتقر إلى أدنى مقومات العيش.. نصف الأسيرات على الأبراش، والنصف الآخر يفترشن الأرض”.
وتنقل سندس، بلسان الأسيرات، جانبًا من السياسات التنكيلية والقهرية التي تمارسها إدارة السجون بحقهن، في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية التي تكفل حقوق الأسرى، مؤكدة أن إدارة السجن لم تُراعِ خصوصيتهن كنساء واحتياجاتهن الخاصة.
أي لحظة ممكن قمعة

تقول سندس: “لا خصوصية في السجن، الأسيرة تعيش في توتر وقلق وترقّب دائم بسبب السياسات والقمعات المتكررة والتفتيشات الليلية المتواصلة والعزل الفجائي بدون أسباب، إذ تضطر الأسيرات إلى ارتداء ملابس الصلاة طيلة الوقت خوفًا من القمعات والتفتيشات المفاجئة والمتكررة”.
وبينت سندس أن إدارة سجن الدامون سحبت ملابس الصلاة من الأسيرات واستبدلتها بملابس الصلاة شاباص من دون تنورة، ناهيك عن قلة الملابس وسوء نوعيتها. وتنعدم مستلزمات النظافة الشخصية داخل السجن، إذ تتعمد الإدارة حرمان الأسيرات منها، في محاولة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بصحتهن الجسدية والنفسية، والنيل من إرادتهن وكسر صمودهن.
وللغرفة الواحدة، توفر الإدارة أسبوعيًا سبع عبوات صغيرة من الشامبو، ولفتين من المحارم رديئة الجودة، إلى جانب ما بين عبوتين وأربع عبوات من الفوط الصحية النسائية، وهي من أسوأ الأنواع جودة، بما لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات الأسيرات الأساسية.
كما تتشارك نحو 90 أسيرة مشطين اثنين فقط للشعر، في ظل شح متعمد لأبسط مستلزمات النظافة والعناية الشخصية، الأمر الذي أدى إلى إصابة عدة أسيرات بمرض الجرب “السكابيوس”.
بشرى الطويل من أصعب الحالات

وكانت سندس واحدة من بين عدة أسيرات أصبن بمرض السكابيوس، وما زالت تتعالج من آثاره، وحذرت من خطورة تفاقمه بين الأسيرات، في ظل عدم تقديم العلاج المناسب والظروف اللاإنسانية التي يعشنها في السجن.
تضيف سندس: “بشرى الطويل من أصعب الحالات، كانت معي بنفس الغرفة، عانت من تشنجات قوية بالأطراف واللسان، لدرجة كان يُغمى عليها. حجرونا أسبوع ونصف، بعدين قرروا إنه ما عنا سكابيوس! وفكوا عنا الحجر”.
اقرأ أيضًا: الأسيرة هناء طحاينة: وجه في مشهد "بن غفير" الدعائي
وتقول سندس: “إضاءة الغرفة لا نتحكم فيها من داخل الغرف، بل الإدارة، إذ تبقيها مضاءة من الساعة السادسة صباحًا حتى العاشرة مساءً. وبالنسبة للقمعات، فهي مفاجئة ومتكررة، نتعرض فيها نحن الأسيرات إلى الشتائم والضرب والمدافشة أحيانًا كثيرة.. يجبروننا على الانبطاح على البطن في ساحة القسم، مع تفتيش كامل للغرف، وتفتيش عارٍ أحيانًا للبنات، ورش غاز الفلفل الحار”.
أما الخروج إلى ساحة السجن، أو ما تعرف بـ”الفورة”، فمدته ساعة أو أقل، وفي بعض الأحيان يتم حرمان الأسيرات منها بسبب العقوبات المتكررة. ولم يكتفِ الاحتلال بهذه الإجراءات، بل عمد أيضًا إلى سياسة تجويع الأسيرات، كما الأسرى. وبينت سندس أن الطعام المقدم لهن كان من أجل البقاء على قيد الحياة، عدا عن رداءة نوعيته، ما حرم الأسيرات من الشعور بالشبع، حتى غدا الشبع حلمًا بعيد المنال، وأفقدهن ذلك الكثير من أوزانهن.
“لا تنسوا الأسيرات”

تذكر سندس بعض المواقف التي تركت أثرًا بالغًا فيها خلال فترة اعتقالها، قائلة: “صدمتي عندما تلقيت خبر اعتقال صديقتي آية فقها، كنت قلقة عليها لعلمي المسبق بظروف السجن القاسية ومعاملة السجانين. أيضًا شعور العجز والقهر الذي تملكني كثيرًا عند مرض أي أسيرة، أو صراخ إحداهن أثناء القمعة، أو صدمتي الكبرى عندما قمعوا أسيرة واحدة فقط أمام الجميع بدون أي سبب يذكر، وجملة للأسيرة شاتيلا عندما قالت لي: “السجن إلي”، في إشارة إلى أنها أقدم الأسيرات”.
وصفت سندس فترة اعتقالها بالمحنة التي تحمل في طياتها منحة ربانية، وتكمل: “ما مررت به من ظروف قاهرة وقاسية جعلتني أقوى، وشعور العجز في داخلي جبلني على حب العطاء وتقديم التضحيات. مررت بتجارب ومواقف صعبة، عجنتني بالحياة أكثر، ففهمتُ نفسي وهذّبتني بفضل الله”.
لم ولن تنسى سندس أصعب المواقف التي مرت بها، وهي لحظة اعتقالها. ففي منتصف ليلة الخميس، 12 من شهر فبراير/شباط الماضي، فزعت سندس وزوجها من نومهما على أصوات الضرب والتكسير والخلع، ليتبين أن قوة من جيش الاحتلال، مكوّنة من عدد من الجنود المدججين بالأسلحة، قد انتشرت في أرجاء المنزل بلمح البصر بعد أن خلعت الباب الرئيسي، وسط صراخ الجنود، ما أثار الرعب في نفوس أهل البيت، ليتبين لاحقًا أن الهدف من الاقتحام هو اعتقال سندس.
اقرأ أيضًا: 85 محاكمة في 6 سنوات.. والمؤبد يلاحق الأسير نظمي أبو بكر
تُكمل سندس: “لحظة اعتقالي كانت صعبة على قلبي وروحي، فقد تركت خلفي بناتي وزوجي وأحبتي في حالة ذهول كبيرة، وخاصة أننا استقبلنا زوجي وفرحنا بخروجه من السجن قبل اعتقالي بأسبوعين فقط! فلم أتوقع على الإطلاق أنني سأعيش نفس تجربته في فترة وجيزة. اقتادوني إلى معسكر كدوميم وحققوا معي هناك، وبعدها نقلوني على الدامون”.
ختمنا الحديث مع سندس بكلمات أشبه بوصية على لسان الأسيرات: “لا تنسوا الأسيرات، فهن أمانة في أعناقنا، حريتهن واجبنا”. وفيما وصفت السجن، قالت: بصوت المنشد أبو راتب بلاغة في وصف السجن وظروفه: السجن جنّاتٌ ونارُ.. وأنا المغامرُ والغمارُ.

