بنفسج

أيسر السعدي: ابن جنين.. مقاومًا. فشهيدًا بجثمان محتجز

الأربعاء 07 أكتوبر

الشهيد أيسر السعدي
الشهيد أيسر السعدي

في ذات الشهر، شهر رمضان المبارك، أبصر أيسر نور الحياة، وبعد اثنين وعشرين عامًا، اصطفاه الله شهيدًا، ليلقى ربَّه كما أحبّ لقاءه، مقبلًا غير مدبر. في اليوم الرابع من شهر رمضان لعام ٢٠٢٥، كان القدر يرسم تفاصيله، وكانت عائلة أيسر السعدي ومدينته جنين على موعد مع نبأ استشهاد واحد من خير شبابها ومقاوميها.

على وقع الاشتباكات العنيفة استفاقت المدينة، التي لم تعرف في تلك المرحلة للراحة طعمًا، بعد إعلان الاحتلال بدء عملية عسكرية على المدينة ومخيمها، في 21 يناير من العام ذاته، وأطلق عليها اسم “السور الحديدي”.

شهيدًا مشتبكًا

الشهيد المشتبك أيسر السعدي.jpg

عدة ساعات استمر الاشتباك، ولم تهن عزيمة أيسر، إذ أثر التصدي ببسالة لقوات الاحتلال التي فرضت حصارًا على الحي الشرقي، ونشرت القناصة على أسطح البنايات المحيطة بالمنزل المحاصر، ولقي مشتبكًا حتى آخر رمق فيه، في تاريخ ٤/٣/٢٠٢٥.

يقول العم عبد الحليم عن لحظة استشهاد ابنه أيسر: “لم نعلم أنه محاصر، فقد مر وقت طويل دون أن نعلم عنه وعن أخباره شيئًا، حيث كانت أصعب أيام وليالي تمر علينا. لم نعرف النوم من شدة القلق والخوف على مصيره، ومع ذلك نحن مسلمون لله بما قضى، ونرضى بما قدر. صباح اليوم التالي وصلنا خبر استشهاد أيسر من خلال بيان أصدره الجانب الآخر”.

قوات الاحتلال لم تكتفِ باغتيال المطارد أيسر السعدي، بل احتجزت جثمانه ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها كرادع للفلسطينيين من الانخراط في صفوف المقاومة.

ويطالب والدا الشهيد جميع الجهات ذات الاختصاص بضرورة التدخل من أجل الإفراج عن جثمان ابنهما واسترداده لدفنه وفقًا للشريعة الإسلامية، مع يقينهما التام بأن روحه قد صعدت إلى بارئها، لكن يبقى من حقهما وداع جثمانه للمرة الأخيرة، ومواراة جسده الثرى، وزيارة قبره كلما حنّت الروح إليه.

الشهيد الثاني للعائلة

الشهيد أيسر السعدي1.jpg

سبق أن تعرض الشهيد للاعتقال قبل أن يصبح مطاردًا لمدة عامين، كما تعرض لعدة محاولات اغتيال وأصيب مرات عدة. يعلق والده على ذلك بالقول: “الاحتلال اعتقل أيسر سابقًا، وعاش حياة المطاردين لمدة عامين، تعرض خلالها لمحاولة اغتيال، إلا أن الله كتب له مزيدًا من العمر، وتخللها عدة إصابات، منها بتر لأحد أصابع يده وإصابة بالأمعاء، حيث كان يحتاج لكيس يوضع على بطنه متصل بأمعائه، وبقي طيلة سنة كاملة لغاية ما استشهد”.

كان الشهيد أيسر أحد أبرز المطلوبين لقوات الاحتلال في جنين، حيث نجا من عدة محاولات اغتيال، كان آخرها القصف الذي استهدف حارة الدمج قبل شهر من استشهاده، ونتج عنه ارتقاء 6 شبان.

ومن جانبها، أصدرت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بيانًا أكدت فيه استشهاد أحد أبرز قادتها العسكريين، أيسر السعدي، والذي كان له دور بارز في “التخطيط والتنفيذ لعمليات نوعية أوجعت المحتل”.


اقرأ أيضًا: الأسيرة هناء طحاينة: وجه في مشهد "بن غفير" الدعائي


اتسم الشهيد بعدة صفات، فكان صاحب خلق هادئ، محبوبًا لكل من عرفه، وكانت ابتسامته لا تفارق محياه، صاحب مبدأ، محبًا لوطنه، مقاومًا شرسًا.

خلّف استشهاده ألمًا عميقًا في نفوس ذويه وكل من عرفه، على الصعيد الاجتماعي والعسكري، إذ لم يتوانَ يومًا عن تقدم الصفوف الأولى ومجابهة قوات الاحتلال عند كل اقتحام لمدينة جنين ومخيمها.

تفقتده بنادق المقاومة

المقاومة1.jpg

استشهاد أيسر لم يكن الوجع الأول الذي يتجرّعه الزوجان، نهلة وعبد الحليم السعدي، بل سبق أن ذاقا مرارة ارتقاء نجلهما أحمد، فلم يبرأ قلباهما بعد من وجع فقده، حتى جاء استشهاد أيسر ليجدّد جرحًا لم يندمل.

شهر واحد ما بين اغتيال أحمد وارتقاء شقيقه أيسر، فكانت بمثابة فاجعة كبيرة حلّت بعائلة السعدي. وكان الطفل أحمد ذو الأربعة عشر ربيعًا قد ارتقى بقصف صهيوني استهدف مجموعة شبان بالقرب من ديوان السعدي في الحي الشرقي بمدينة جنين، في تاريخ 1/2/2025.

كالصاعقة، وقع خبر استشهاد أحمد على محبيه، خاصة عائلته، فأحمد كان المدلل، الطفل الصغير بنظرها. من جهتها، نعت وزارة التربية والتعليم العالي الشهيد الطالب السعدي، ابن الصف التاسع الأساسي في مدرسة ذكور عز الدين الأساسية في تربية جنين.


اقرأ أيضًا: الأسيرة فردوس طناطرة: معتقلة على كرسيها المتحرك


يقول والدا أحمد، آخر العنقود ومدلل العائلة، عن شخصيته: “أحمد كان خجولًا جدًا، سرعان ما تتورد خدوده حياءً، خدوم، مطيع لوالديه، محبوب من الجميع”.

تقول السيدة نهلة: “طبعًا أحمد وأيسر لا يفارقنا الإحساس بهما في كل تفاصيل حياتنا، كل شيء يذكرنا بهم، في كل زاوية لهم حكاية، وكل مكان لهم ذكرى وأثر. دعاؤنا متواصل لأحمد وأيسر، والله وحده يعلم مدى الاشتياق إليهما، لكن الحمد لله على كل حال، لله ما أخذ ولله ما أعطى”.

جثمان محتجز

شهداء المقاومة في الضفة.jpg

يضيف العم عبد الحليم: “دعاؤنا لأحمد وأيسر متواصل، وشوقنا لهما أكبر من أن تترجمه الكلمات، ربنا يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم الفردوس الأعلى ويجمعنا وإياهم في جنات النعيم”.

بالصبر والاحتساب تعيش عائلة السعدي، رغم ألم فقد اثنين من أبنائها بفارق زمني ضئيل، لكن إيمانها بقضاء الله وقدره يمنحها القوة على الصبر والثبات، ويعينها على حمل وجع الفقد، فيما تبقى أمنيتها باسترداد جثمان نجلها أيسر ودفنه في مثواه الأخير، لعلّها تجد في وداعه الأخير بعض السكينة التي افتقدتها منذ رحيله.