بنفسج

قلوبنا المتجددة: تصنع أعوامًا جديدة لا تنتظرها

الأحد 02 يناير

بداية، اسمحوا لي أن أمتطي بساط الحكمة وأسافر به عبر قلمي ودفتري بعد أن أيقظت الفكرة عقلي من نعاسه الشديد، والذي لم يفلح فنجان قهوة في إيقاظه، بل جاءت الفكرة، فإن الفكرة إذا ما مرت بين خلايا الدماغ فإنها تتكفل بإبقائك مستيقظًا طوال الليل. إنني هنا وفي هذه اللحظة، لحظة الخلوة مع النفس والخلوة مع الله، أريد البوح بما يجول في قلبي منذ سنوات، منذ هجرة يدي لمحبرتها وقلمها وورقتها حينما كان البال مرتاحًا والقلب مطمئنًا. فو الله إن النفس اشتاقت لترجمة مصنعها الداخلي إلى كلمات وأحرف على مذكرة مهجورة. اشتاقت إلى قلم حقيقي وإلى ورقة محسوسة. اشتاقت إلى ملمسهم ورؤيتهم سويًا كثنائي عاشق يجملهم منظر الإنسان على طاولته، فتخرج لنا أجمل لوحة ملهمة لكل إنسان مازال يبحث عن نفسه.

تمتزج رائحة الشتاء مع منظر الغروب، تلعب على أوتار حواسك الخمس، وتتغلغل مشاعر نادرة لا تشعر بها في أيام فصول السنة الأخرى، إنها لحظات ماتعة في جوار الله وكأنها محطة استراحة في طريق الحياة. ربما لأن شهر كانون الأول هو شهر وداع السنة، وفيه تمر على شريط حياتك خلال العام، ماذا فعلت وهل حققت أهدافك أم لم تسنح لك الفرصة! أو ربما لأنه شهر العاشقين المنتفضين، كيف لا وفيه ذكرى الانتفاضة الفلسطينية الأولى والتي أشعلت فتيل عصر جديد بمقاومة النفس قبل العدو، فتمهد لنا بداية مشرقة، بل مشرفة مع عام جديد.

إلى من جعل من الماضي سجنًا له، إليك أيها الداني من تحرير نفسك من سجان الحياة. لا تستسلم فالله يهبنا دومًا فرصًا أجمل، حاول مرة أخرى ولو للمرة الألف، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، لا أريد هنا أن أكرر الكلام الاعتيادي وأقول لك عليك أن تسامح الآخرين وتعفو عمن ظلمك، بل أريد أن أقول لك سامح نفسك أولًا وكن لطيفًا معها، فأنت تستحق كل خير. تصالح مع نفسك وتقبلها كما هي، حسن فيها قدر المستطاع لكن لا تقسو عليها فأنت الآن شخصية فريدة.  هي حصيلة تجاربك وماضيك وفشلك ونجاحك وخبراتك، افخر بها كما هي.

وعدها بأن تكون الحضن الأكبر لها دون أن تظلمها. عدها بأن تحافظ عليها نفسًا مطمئنة راضية ملؤها الرحمة والسكينة في طريق الله، وابتعد عن كل ما يزعجك بل واعتزله، ولتجعل علاقاتك مع الآخرين نوعية أكثر منها أن تكون كمية، وخير أنيس لك هو الله عز وجل حين تتقرب منه ومن مصحف مهجور على رف مكتبتك، فآن أوان تشكيل علاقة صداقة فريدة معه، فإذا بدأت الخطوة الاولى بمجاهدة نفسك سترى الله معينًا لك، وسيمد لك حبله بعد أن تدعوه بدعاء "اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك".

البدايات الجديدة دومًا جميلة، وأجمل ما في الحب هو البدايات، ولكن يستديم هذا الحب بتغيير منظومة تفكيرنا تجاه من حولنا، وحين تدرك كيف تفكر هنا ستضيف للتغيير معنى وللحب قيمة. ابدأ رحلة التغيير من ذاتك لتنعكس على أسرتك، إذ إن البذرة الأصيلة ستثمر حتمًا مجتمعًا مسؤولًا وجيلًا زرع فيه حب التعلم.

سترى رحمته تتجلى في كل ما يحيطك، وسترى حياة جديدة أجمل بكثير مما كنت تتوقع، بل وسترى الجمال حتى وإن كنت في قمة الابتلاء، أو ربما تتقرب منه في صلاة مع عشاق السحر كما قال أحد الصالحين: "لولا الليل لما أحببت الدنيا"، أو في صلاة فجر مع شفق ساحر يجمع أشعته المتبعثرة في جسدك المنهك ليعطيك صباحًا ثوريًا يلهمك في بداية اليوم بأن تكون النسخة الأفضل من نفسك، فالهبات لا تأتي إلا في الخلوات، وتذكر دومًا أن عبوديتك لله هي سر نجاحك في هذا العالم.

البدايات الجديدة دومًا جميلة، وأجمل ما في الحب هو البدايات، ولكن يستديم هذا الحب بتغيير منظومة تفكيرنا تجاه من حولنا، وحين تدرك كيف تفكر هنا ستضيف للتغيير معنى وللحب قيمة. ابدأ رحلة التغيير من ذاتك لتنعكس على أسرتك، إذ إن البذرة الأصيلة ستثمر حتمًا مجتمعًا مسؤولًا وجيلًا زرع فيه حب التعلم والتغيير منذ الصغر لينتشل هذه الأمة من الظلام إلى النور. نحن مطالبون اليوم أكثر من ما مضى بأن نزرع في أطفالنا حب التطوع في ظل عصر الماديات ووسائل التواصل الاجتماعي، وأن نعلمهم العطاء من دون مقابل، ففي ظل الحروب النفسية وما يتعرض له جيل اليوم من اكتئاب وإحباط لا مبرر لها نحتاج إلى خطوات عملية للقضاء على هذه الظاهرة من خلال الانخراط مع فرق تطوعية وفعل الخير للآخرين، بهذا النشئ سيشعر الإنسان بغنى عظيم لا يُقدر بثمن.

وأكبر مصيبة أن نربي هذا الجيل على مفهوم العمل لجني المال فقط. هذا المفهوم هو الوجه الآخر للبطالة، بل يجب أن نسقيهم من مقولة المنفلوطي: "لو تراحم الناس ما كان بينهم جائع ولا عريان ولا مغبون ولا مهضوم ولفقرت العيون من المدامع واطمأنت الجنوب في المضاجع". إن فرحة العطاء أكبر من فرحة الكسب دومًا، وخير التعليم هو التعليم بالقدوة، فلنكن قدوة لهم ولنبدأ بأنفسنا. وأما عن آلام النفس والجسد، فكن على ثقة بأنها صلتك لله وتذكرة منه حتى يسمع صوتك دومًا في عتمات الليل وأطراف النهار حتى ينقلك من الغفلة إلى الصحوة وليبدل السيئة حسنة، بل كن سعيدًا لأنه اختصك وحدك من بين الناس. وكم من شخص سوي النفس معافى الجسد غارق في غفوته بعيدًا عن الله.

وأما عن رسالتي إلى الأرواح المتعبة في اللجوء والمهجر، فإنما قضيتك العادلة هي شرف لك تحمله أينما كنت في شتات هذا العالم، قضية توحد بوصلتك كلما ابتعدت عن الهدف وتذكرك بالعمل والاجتهاد دومًا لترسل كلمات العاشقين وابتهالات الضارعين إلى كل حارة من حارات الوطن. هناك تحت ظل زيتونها سنلتقي ومن نهرها سنستقي ومن دحنونها وبرتقالها سنعيد للطفل اللاجئ راحة باله، وللشيخ العتيق ميراثه وأرضه. لنبدأ العام الجديد بخفقة قلب جديدة، فإنما الحياة خفقة قلب، إذا هدأت هدأ كل شيء، ولنجعل كل يوم هو بداية جديدة، فالقلوب المتجددة لا تنتظر أعوامًا جديدة بل تصنعها.