تطفئ ملاك شمعتها الثالثة، وهي لا تعرف الكثير عن الحكاية التي سبقت وصولها إلى حضن الممرضة أمل أبو خاطر. لا تعرف كيف بدأت حياتها بين ركام المنازل في حي الصبرة بمدينة غزة، ولا كيف انتشلها المسعفون من بين ضحايا مجزرة أودت بحياة مئات الفلسطينيين، ولا لماذا كُتب في ملفها الطبي أول مرة أنها طفلة مجهولة الهوية.
لكنها تعرف الآن أن هناك من ينتظر استيقاظها كل صباح، ومن يضمها حين تخاف، ويعتني بها حين تمرض، ويجيب عن طلباتها الصغيرة. تعرف أمل باسم "ماما"، وتناديها كلما احتاجت إليها، فيما تحاول المرأة التي احتضنتها أن تمنحها حياة تشبه حياة الأطفال، رغم أن الحرب التي جاءت بها إلى عالمها لم تترك لها الكثير من مقومات الحياة الطبيعية.
ثلاث سنوات مرت على ولادة ملاك، التي جاءت إلى الدنيا في بدايات الحرب على غزة، ونجت من مجزرة الصبرة، لتبدأ حكاية أخرى عنوانها الأمومة والاحتضان، فيما بقي السؤال الأصعب بلا إجابة: من عائلتها الأولى؟ وأين والداها؟
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، شهد حي الصبرة في مدينة غزة مجزرة استهدفت عائلتي أبو شريعة وحسينة، وأسفرت، وفق ما أوردته مصادر فلسطينية، عن استشهاد 308 فلسطينيين، بينهم 40 طفلًا و30 امرأة. كانت المجزرة واحدة من المحطات الدامية التي تركت وراءها عشرات العائلات المكلومة، وأطفالًا فقدوا ذويهم تحت أنقاض المنازل.
وسط عمليات البحث والإنقاذ، عثر المسعفون على رضيعة حديثة الولادة بين آثار المجزرة. وبحسب روايات إعلامية، كانت معلقة في شجرة، ولا تزال آثار الحليب في فمها، في مشهد بدا كأنها نجت من الموت بفارق ضئيل. لم يكن معها أحد، ولم يحمل جسدها الصغير ما يدل على هويتها أو اسم عائلتها، ولم يتمكن المسعفون من معرفة ما إذا كان والداها قد استشهدا أو ما زالا على قيد الحياة.
كانت الطفلة، الناجية الوحيدة المعروفة من المجزرة، بداية حكاية طويلة من البحث عن الجذور. فقد خرجت من بين الركام، لكنها لم تخرج باسم أو عنوان أو عائلة يمكن إعادتها إليها.
اختارت لها اسم "ملاك"، ليحل محل الوصف الذي رافقها منذ دخولها المستشفى. لم يعد ملفها يحمل كلمة "مجهولة" وحدها، بل صار للطفلة اسم يمكن أن تُنادى به، وإن ظلت هويتها الأصلية غائبة.
نُقلت الرضيعة إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة، حيث كتب الطبيب ناصر بلبل على ملفها الطبي كلمة "مجهولة"، في إشارة إلى غياب أي معلومات عن هويتها. وفي 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، نُقلت مع عدد من الأطفال الخدّج إلى مستشفى الهلال الإماراتي في رفح، وكانت تعاني سوء تغذية حادًا وتسممًا في الدم، ما استدعى رعاية طبية ومتابعة مستمرة. هناك، لم تستطع الممرضة أمل أبو خاطر التعامل مع الطفلة باعتبارها مجرد حالة طبية مجهولة. رأت فيها رضيعة تحتاج إلى أكثر من العلاج؛ تحتاج إلى حضن واسم ووجه مألوف يرافقها في أيامها الأولى.
اختارت لها اسم "ملاك"، ليحل محل الوصف الذي رافقها منذ دخولها المستشفى. لم يعد ملفها يحمل كلمة "مجهولة" وحدها، بل صار للطفلة اسم يمكن أن تُنادى به، وإن ظلت هويتها الأصلية غائبة.
اقرأ أيضًا: حين صار الحبر وطنًا.. ووهبني حياة
في كانون الثاني/ يناير 2024، اصطحبت أمل الطفلة إلى منزلها، بإذن من المستشفى، على أن تعيدها إذا عُثر على عائلتها. لم يكن القرار مجرد استضافة لطفلة تحتاج إلى الرعاية، بل مسؤولية يومية أخذت تتسع مع مرور الوقت، من توفير الطعام والحليب والحفاضات إلى متابعة نموها واحتياجاتها الصحية والنفسية.
ولأن ملاك لم تكن تملك أوراقًا رسمية تثبت هويتها، واجهت أمل صعوبات في تأمين بعض الخدمات الطبية لها. فتوجهت إلى المحكمة الشرعية واستخرجت شهادة ميلاد باسم ملاك محمد أحمد الصبرة. أما اسما "محمد أحمد" فاختيرا بصورة افتراضية لغياب المعلومات عن والديها، فيما يشير اسم "الصبرة" إلى الحي الذي عُثر عليها فيه.
تقول أمل عن علاقتها بالطفلة: "هي أمانة في عنقي، وليست فقط مثل ابنتي. وهي عبارة تختصر طبيعة العلاقة التي نشأت بينهما؛ فالأمومة هنا ليست صلة دم، بل مسؤولية اختارت أمل أن تحملها، وأن تمنح طفلة لا تعرف عائلتها الأولى فرصة للنمو في كنف أسرة."
لكن هذه الرعاية لم تكن سهلة في غزة المحاصرة بالحرب. فقد نزحت الأسرة أربع مرات، واضطرت في أيار/ مايو 2024 إلى مغادرة رفح سيرًا على الأقدام باتجاه خان يونس، قبل أن تستقر لاحقًا في دير البلح. وخلال التنقلات، واجهت أمل صعوبة في توفير الحليب والحفاضات، وسط نقص الإمدادات وارتفاع أسعار المواد الأساسية، لتصبح أبسط احتياجات الطفلة عبئًا إضافيًا على عائلة تحاول النجاة بدورها.
اقرأ أيضًا: جنازة موصولة بالسماء... حين حملتُ نعش الشهيد
اليوم، تكبر ملاك وسط أبناء عمومة أمل، الذين يعاملونها بحنان ويشاركونها تفاصيل الحياة اليومية. تلعب معهم، وتطلب الماء حين تعطش، وتنادي أمل "ماما"، كما تفعل أي طفلة وجدت في من حولها مصدر الأمان والرعاية. تحاول أمل أن تعوضها ما استطاعت عن السنوات الأولى التي عاشتها في ظروف استثنائية، وتقول: "أحاول توفير كل احتياجاتها، ولا أنقص عليها شيئًا"، مضيفة: "كل حياتي لملاك".
ومع ذلك، لم تكن الطفولة التي تحاول أمل بناءها لملاك بعيدة عن آثار الحرب. لم تتمكن الصغيرة من مواصلة الالتحاق برياض الأطفال، إذ كانت البيئة التعليمية التي أتيحت لها عبارة عن خيمة تفتقر إلى المساحة الكافية والأنشطة والألعاب التي يحتاج إليها الأطفال في مثل عمرها. وهكذا، لا تزال تفاصيل يومها مرتبطة بواقع النزوح وشح الإمكانات، فيما تحاول أمل أن تمنحها أكبر قدر ممكن من الاستقرار، وأن تحمي طفولتها من أن تكون امتدادًا دائمًا للمشهد الذي وُلدت فيه.
على الرغم من مرور السنوات، لم تتوقف أمل عن البحث عن عائلة ملاك. شاركت قصتها أكثر من مرة، وتواصلت مع عائلات من حي الصبرة فقدت أطفالًا خلال المجزرة، على أمل أن تتعرف إحداها إلى الطفلة أو تقدم معلومة تقود إلى والديها. لكن محاولاتها لم تسفر حتى الآن عن نتيجة.
نجت ملاك من المجزرة، وكبرت في حضن أمل، وصارت لها حياة تحاول أن تشبه حياة الأطفال. لكن وراء ضحكتها الصغيرة حكاية لم تكتمل بعد؛ حكاية عائلة لا يُعرف مصيرها، وأم تحتضن طفلة تعرف أنها أمانة في عنقها، وتنتظر اليوم الذي تستطيع فيه أن تجيب عن أسئلتها الأولى
وبعد عمليات انتشال الجثامين الأخيرة في الحي، عادت أمل إلى البحث، وراسلت مؤسسات وجهات عدة، لعلها تعثر على خيط يساعدها في معرفة ما حدث لعائلة الطفلة. إلا أن الإجابة ظلت غائبة، وبقيت هوية ملاك الأصلية معلقة بين شهادات الفقد والبحث والانتظار.
لا تخفي أمل خشيتها من أن تواجه ملاك مستقبلًا أسئلة صعبة بشأن عائلتها الأولى، أو أن تجد نفسها أمام فراغ لا تستطيع الإجابة عنه. لذلك تحاول أن تكون لها الأم والأب والأخ والصديق، وأن تبني معها علاقة تمنحها الثقة والأمان، من دون أن تغلق الباب أمام معرفة جذورها حين تتوافر المعلومات. وتوجه أمل رسالة إلى والدي ملاك، إن كانا على قيد الحياة ويبحثان عنها، قائلة: "ملاك أحلى هدية". رسالة تحمل في داخلها معنى مزدوجًا؛ فهي تعبير عن تعلق امرأة بطفلة صارت جزءًا من حياتها، وفي الوقت نفسه إعلان عن استعدادها لأن تظل الحقيقة أهم من كل شيء، وأن يبقى حق ملاك في معرفة عائلتها قائمًا.
ثلاث سنوات مضت منذ أن انتُشلت ملاك من بين ركام الصبرة. خلال هذه السنوات، وجدت اسمًا وأمًا وبيتًا، وإن لم تجد بعد إجابة عن السؤال الذي يرافق حكايتها منذ البداية. نجت ملاك من المجزرة، وكبرت في حضن أمل، وصارت لها حياة تحاول أن تشبه حياة الأطفال. لكن وراء ضحكتها الصغيرة حكاية لم تكتمل بعد؛ حكاية عائلة لا يُعرف مصيرها، وأم تحتضن طفلة تعرف أنها أمانة في عنقها، وتنتظر اليوم الذي تستطيع فيه أن تجيب عن أسئلتها الأولى

