بنفسج

غزة.. حكاية العلم الذي لا يموت

الأحد 08 نوفمبر

التعليم في غزة
التعليم في غزة

في سوق مكتظ بالناس، حيث تمتزج أصوات الباعة بضحكات الأطفال، أُطلقت رصاصة على طفل كان يلعب مع إخوته وأصدقائه، فأنهت حياته في لحظة. ولم يكن الطفل وحده من دفع الثمن؛ فقد دفعت معه مدرسة، ومعلم، ودفتر، وحلم.

لم يعد الحديث عن دمار التعليم في غزة انطباعًا عامًا، بل أرقامًا موثقة. فقد أعلنت الأونروا في شباط/ فبراير 2026 أن نحو 90% من المباني المدرسية في القطاع تضررت أو دُمّرت. وذكرت اليونيسف في أيلول/ سبتمبر 2026 أن نحو 98% من المدارس تضررت، وأُصيب نحو 80% منها بشكل مباشر، وأن نحو 700 ألف طالب فاتهم التعليم النظامي منذ بدء الحرب.

ويمتد الأثر إلى الجامعات. فقد وثّقت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في آذار/ مارس 2024 تدمير معظم جامعات القطاع، وهو ما يعني أن جيلًا من الشباب فقد أحد أهم أبواب المستقبل في وقت واحد مع الطفولة.

ومع ذلك، عاد الطلاب. ففي أول يوم من العام الدراسي 2026، ذهب نحو 500 ألف طالب إلى مدارسهم: 350 ألفًا في المدارس الحكومية، و150 ألفًا في مدارس الأونروا. لكن الرقم يخفي تفاصيل الصعوبة؛ فقد أعادت وزارة التربية فتح 208 مدارس حكومية فقط، بينما تحتاج غزة إلى نحو ثلاثة أضعاف هذا العدد. ويتلقى كثير من الأطفال تعليمهم في مساحات تعليمية مؤقتة أو عبر منصات رقمية.

في مدرسة بلدية غزة الإعدادية، يدرس أكثر من 350 طالبًا في الفترة الواحدة، ويتجاوز عدد المسجلين فيها 2100 طالب، ويستخدمون أربعة حمامات فقط. تقول مديرة المدرسة وفاء مقات: "لدينا أعداد كبيرة جدًا من الطلاب، وصفوف مكتظة، وبالكاد يوجد أثاث مدرسي."

أما المعلمون، فيعملون في ظروف لا تشبه ظروف مهنتهم في أي مكان آخر: صفوف بلا أثاث، وطلاب ينتقل كثير منهم من مكان نزوح إلى آخر، وأسر فقدت بيوتها أو أحبتها. ومع ذلك، يبقى الدرس موعدًا يتمسك به الطفل والمعلم معًا، ولعل هذا أوضح دليل على أن التعليم في غزة فعل إرادة قبل أن يكون فعل إمكانات.


اقرأ أيضًا: حين صار الحبر وطنًا.. ووهبني حياة


وفي هذا الزحام، تبقى المدرسة أكثر من مكان للدرس. إنها الدليل على أن الطفل ما زال ينتمي إلى مجتمعه، وأن عالمه لم يُمحَ بالكامل. ويقول ولي أمر أحد الطلاب: "ما زلنا لا نصدق أن أكرم تمكّن أخيرًا من الالتحاق بمدرسة حقيقية."

لماذا يتمسك أهل غزة بالعلم؟ لأن العلم في غزة ليس ترفًا، بل وسيلة للبقاء. فحين تُهدم المدارس والجامعات، يصبح الكتاب محاولة لحفظ الذاكرة، ويصبح المعلم شاهدًا على أن الحياة مستمرة. والطفل الذي يفقد عامًا دراسيًا لا يفقد الدرس وحده، بل يفقد صديقًا، وفرصةً، ومكانًا يشعره بالأمان.، وفي هذا المعنى يقول ما يُنسب إلى علي بن أبي طالب: ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم.. على الهدى لمن استهدى أدلاء.. وقدر كل امرئ ما كان يحسنه.. والجاهلون لأهل العلم أعداء

وهكذا، فإن الجهل الذي يريده الاحتلال، بحسب تعبير الكاتب، ليس جهلًا بالقراءة والكتابة فحسب، بل هو جهل بالحق، وبالكرامة، وبالحق في الحياة. والعالم الذي يطالب بالعدالة لا يستطيع أن يتجاهل أن الطفل الذي لا يذهب إلى مدرسته يُحرم من حقٍّ أصيل، لا من ترف.

قد تبدو الخيمة مكانًا لا يصلح للتعلم، لكن كثيرًا من الطلاب في غزة يتعلمون فيها اليوم. هناك يتعلم الطفل أن الكتاب يحمله معه أينما ذهب، وأن العلم لا يتوقف عند جدران المبنى. وهناك يتعلم المعلم أن رسالته لا تُقاس بالأثاث، بل بقدرته على أن يجعل الصف مكانًا آمنًا ولو للحظات.

إن هذه التجربة تكشف حقيقة مهمة: الحرب تستطيع أن تهدم المباني، لكنها لا تستطيع أن تقتلع الرغبة في التعلم إلا إذا قبلنا نحن أن نتفرج. فالتعليم في غزة اليوم ليس ترفًا ينتظر الهدوء، بل جزء من الصمود نفسه.

ما الذي يلزم؟ لا يكفي أن نصف الألم، بل ينبغي أن نعمل على تخفيفه: إعادة بناء المدارس بمعايير تحفظ الأمان، وتوفير الأثاث والماء والمرافق الصحية، ودعم المعلمين الذين يعملون في ظروف قاسية، وضمان أن يحصل الأطفال الذين فقدوا سنوات من الدراسة على فرصة لاستعادة ما فاتهم. فالعلم الذي يُحمى اليوم هو الذي سيُبنى عليه الغد.

وللقارئ دور أيضًا؛ فالتضامن مع المبادرات التعليمية في غزة، ونشر الأرقام الدقيقة بدل الأرقام المتداولة، والضغط من أجل حماية المدارس والجامعات، كلها أفعال صغيرة تتراكم لتصبح فرقًا حقيقيًا.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل معلم: كيف نعلّم أطفالًا يحملون الخوف والجوع؟ والجواب الذي تقدمه غزة كل يوم هو أن الأطفال يعودون إلى مقاعدهم رغم كل شيء، لأنهم يعرفون أن الكتاب أبقى من الرصاصة.